وداعًا أبا البنات... في رثاء محمد جمال بدوي -رحمه الله-
أحمد شهاب • حدث وتعليق
فلا بد أن ننتقل إلى بعض التوصيات لتكون وفاته سببًا في خيرات وبركات، ولننتقل من خانة المشاعر إلى ترجمتها إلى عمل نافع وتغير للأفضل، فالحياة مع الإيمان نعمة، ولا زال هناك لنا مستعتب ومستدرك، الله أعلم بمداه؛ فلنغتنم الفرصة. نسأل الله أن يغفر لنا ما سبق ويخلف علينا خيرًا، ويسددنا فيما بقي ويبارك لنا فيه.
والتوصيات كثيرة أكتفي منها بخمس -حتى لا ينسي بعضها بعضًا-:
أما الوصية الأولى: فهي لنفسي ولإخواني، تعجلوا وسارعوا، وبادروا وسابقوا؛ لنبادر الآن بما نستطيع، ولننتقل من خانة التخطيط إلى خانة العمل والتنفيذ؛ زر قريبًا أو أخًا في الله، صِل رحمًا، بِر والدًا، تعلم خيرًا، أحسن ليتيم وتصدق على مسكين، أحسن فيما بقي وبادر للخير قبل فوات الأوان، دع التسويف والتمني، وافعل ما تستطيع الآن منشغلًا بواجب الوقت، الآن الآن.
وتذكر هذا التحذير من سفيان: "تعجلوا بركة العلم، ليُفد بعضكم بعضًا، فإنكم لعلكم لا تبلغون ما تؤملون"، وما أصعب هذه الكلمة على النفوس: "فإنكم لعلكم لا تبلغون ما تؤملون"، لكنها الحقيقة المُرَّة: أن الموت يأتي في أي وقت وبدون سابق إنذار!
نعوذ الله من موت الفجأة، ونسأله حسن الخاتمة.
وأحيلكم على مقال بهذا العنوان (تعجلوا بركة العلم)؛ http: //www. salafvoice. com/article. aspx?a=23694 ، فلنتعجل قطف الثمرة قبل فوات الأوان، دون تسرع مُخِل أو تعالم مضر.
وأيضًا لنسارع بأن ننهل من علوم مشايخنا قبل أن يفوتونا، فإن كان الموت يسبقنا للشباب فهو مع الشيوخ أسبق، وفي هذا المعنى (أدركوا بركتهم وانشروا علومهم) تجد هذا المقال https: //anasalafy. com/ar/97071 .
ثم الوصية الثانية: الوصية للشباب الذين في أول طريقهم؛ استعدوا يا شباب فالدعوة والأمة في حاجة إليكم، فأعدوا العدة، وتجهزوا من الآن، وابذلوا الوسع والطاقة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا ما آتاها؛ فلا بد من تعلم متين وعميق لتفاصيل المسائل في العقيدة والفكر ونحوها حتى نكون أمناء على حراسة الحدود وحماية المنهج وصفاء الراية، فتنتقل وهي بيضاء نقية جيلًا بعد جيل.
لا بد من بذل الجهد في العلم والعمل والدعوة، مع سمت طيب، وخلق حسن، ورحمة بالخلق بصدق وإخلاص.
لا يحقرن أحدُكم نفسَه، فالأيام ستمضي، ولكل مجتهد نصيب، وفي الزوايا خبايا؛ لذا كان عروة بن الزبير يقول لأولاده: "إنا كنا أصاغر قوم ثم نحن اليوم أكابر، وإنكم اليوم أصاغر قوم وستكونون كبارًا، فتعلموا العلم تسودوا به قومَكم ويحتاجون إليكم".
وأحيلكم على مقال في هذا الصدد بعنوان: (استعدوا يا شباب) http: //www. salafvoice. com/article. aspx?a=23675 .
ثم الوصية الثالثة: فهي لمشايخنا ودعوتنا، بارك الله في جهودهم وعنايتهم بطلابهم، فجزاهم الله خيرًا كثيرًا، وإن كنا نحتاج للمزيد من التفقد لأحوال طلابهم وأبنائهم وكوادر دعوتهم في ظل هذه الظروف الحياتية القاسية التي قد نخسر بسببها كثيرًا من الجهود لعدد من الكوادر التي هي ثروة لدعوتنا لا تقدر بثمن.
ثم الوصية الرابعة: فهي لنا جميعًا أن نهتم بأمر الخاتمة، ونتأسى بأخينا محمدٍ في أن تكون لنا أعمال خفية ومؤثرة دون ضجيج؛ فلا ضوضاء ولا أضواء، بل علم وعمل ودعوة وإحسان للخلق، فنسأل الله من فضله ورحمته.
ثم الوصية الخامسة: فهي على ضرورة وأهمية وفضل الحب في الله والتآخي فيه، والتعاون على البر والتقوى، كما ظهر جليًّا في مرض ووفاة أخينا محمد، وأذكِّر نفسي وإخواني بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أبي مالكٍ الأشعري: أنَّهم بَينما هُم عندَ رسولِ اللهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- فذكروا قَومًا لَيسوا بأنبياءَ ولا شهداءَ، يغبطُهم النَّبيونَ بمقعدِهم وقُربِهم مِن اللهِ يَومَ القيامةِ، ثمَّ قال: ( هُمْ عِبَادٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، مِنْ بُلْدَانٍ شَتَّى، وَقَبَائِلَ شَتَّى مِنْ شُعُوبِ الْقَبَائِلِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ يَتَوَاصَلُونَ بِهَا، وَلَا دُنْيَا يَتَبَاذَلُونَ بِهَا، يَتَحَابُّونَ بِرُوحِ اللَّهِ، يَجْعَلُ اللَّهُ وُجُوهَهُمْ نُورًا، وَيَجْعَلُ لَهُمْ مَنَابِرَ مِنْ لُؤْلُؤٍ قُدَّامَ الرَّحْمَنِ، يَفْزَعُ النَّاسُ وَلَا يَفْزَعُونَ، وَيَخَافُ النَّاسُ وَلَا يَخَافُونَ ) (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان) .
وختامًا: فلنكثر من الدعاء لبعضنا بعضًا؛ ندعو للحي والميت، للصغير والكبير، للأخ والشيخ، ولا يكن حظ أخينا منا دعوة على مواقع التواصل فقط، بل نتلمس مواطن وأوقات الإجابة لندعو لبعضنا بعضًا، ثم لنستكثر من الطاعة، ليعظم رجاؤنا فيه أن يجمعنا في الآخرة في جنته، فإن كل ما في الدنيا فهو إلى اضمحلال إلا ما كان لله خالصًا لوجهه، وإنما يبقى الإيمان والطاعة ومنه الحب في الله، ونية المؤمن أبلغ من عمله، وفضل الله عظيم، فاللهم اجمعنا في الدنيا على طاعتك، وفي الآخرة في جنتك ودار كرامتك.
اللهم إن محمد بن جمال في ذمتك وحبل جوارك؛ فَقِهِ من فتنة القبر، وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له وارحمه، فإنك أنت الغفور الرحيم.
اللهم اغفر له وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه.
وداعًا أبا البنات.
