شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (115) دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (19)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

والنصارى: يجادلون عن باطلهم في ألوهية المسيح والروح القدس؛ رغم أنهم يقرأون نصوص التوراة والإنجيل، بل وأقوال المسيح نفسه إلى الآن في أناجيلهم بعد التحريف، بإثبات التوحيد وبطلان الشرك، ولعن المصلوبين، وقبول الله توبة التائبين قبل نزول المسيح دون ذبيحة إلهية، ودون ارتكاب جريمة أعظم من كلِّ خطايا البشر ابتداءً من الأكل من الشجرة -بزعمهم!- بصلب الإله ابن الإله، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا؛ رغم أنهم سمعوا وقرأوا قول المسيح -صلى الله عليه وسلم- لما سُئِل: "أي الوصايا هي أول الكل؟ قال: الرب إلهنا رب واحد، كما هو مكتوب، رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب".

ومع كل ذلك يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، ويهمون بأهل الحق كي يأخذوهم، ويوشك الله أن يأخذهم، كما أخذ مَن أرادوا أن يطفئوا نور الله في دعوة الرسل، بأخذ الرسل أو قتلهم، أو أسرهم، أو إخراجهم؛ لإبطال دعوتهم؛ فأخذهم الله؛ فكيف كان عقابه لهم؟!

ومع كل هذا، فنحن مأمورون بالجدال بالتي هي أحسن؛ إقامة لحجج الله على عبادة، كما قال -تعالى-: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ ‌بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (النحل: 125) ، وقال -تعالى-: ( ‌وَلَا ‌تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (العنكبوت: 46) .

فالدعوة إلى الله، وإقامة الحجة على الناس؛ مِن أجله أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب: ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ ‌حُجَّةٌ بَعْدَ ‌الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) (النساء: 165) ، ولأنه -عز وجل- عزيز حكيم؛ فهو يحب العذر، ولا يعذِّب أحدًا إلا بعد بلوغ الحجة وثبوت المحجة، ويقوم بإظهار الحجة والمجادلة بالتي هي أحسن ورثة الرسل مِن العلماء الأتقياء، الصالحين المصلحين.

الفائدة الثانية:

قوله -صلى الله عليه وسلم- كما في الآية الكريمة: ( وَقَدْ هَدَانِ ): فيه شهود فضل الله ونعمته العظيمة على عبده المؤمن بالهداية؛ هداية التوفيق والإسعاد بمعرفة التوحيد وبطلان الشرك، وإثبات النبوة والرسالة للأنبياء، ولا يدخل أحدٌ الجنةَ إلا وهو شاهد لهذه الهداية، قال تعالى-: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . ‌وَنَزَعْنَا ‌مَا ‌فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (الأعراف: 42-43 ) .

و قد تكرَّر هذا المعنى من كلام إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- وغيره من الرسل، قال -تعالى- عن إبراهيم: ( قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) (الشعراء: 75-80) ، الآيات.

وقال -سبحانه وتعالى- عن الرسل في مجادلتهم لقومهم: ( قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ . قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ . وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) (إبراهيم: 10-12) .

وقال -سبحانه وتعالى- لنبيه محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-: ( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (الأنعام: 161) .

وهذا الشهود لفضل الله بالإيمان تحقيق للإيمان بالقدر، فالاهتداء الذي هو فعل العبد، قد خلقه الله فيه بفضله ومنِّه، والعبد فاعلٌ الاهتداء والله فاعلٌ للهدى، الله هداه، فالله خَلَق الهدى في قلب عبده المؤمن، وخلق الضلال في قلب الضال الكافر، وهو أعلم بالشاكرين وهو أعلم بالظالمين، ولولا أن الله أضلهم ما حاجوا أنبياءهم ورسلهم في أوضح اليقينيات.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة