شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حال الصادقين بعد رمضان (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- رمضان سوق قد انفض، ربح فيه مَن ربح، وخسر فيه مَن خسر: كان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يقول مع آخر ليلة من رمضان: "ليت شعري من المقبول؟ فنهنيه، ومن المحروم؟ فنعزيه". وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، ومَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ ) (متفق عليه) .

- لقد فاز الصادقون بالأجر العظيم والفضل العميم، ولكن ما العلامات والأمارات التي يعرف بها الصادقون في رمضان بعد رحيل رمضان؟

(1) الصادقون بعد رمضان مشغولون بالقبول:

- الصادقون بعد رمضان حالهم كحال التاجر الناصح لتجارته، فهو ينظر في (الأرباح ثم رأس المال ثم الخسارة).

- الصادقون بعد رمضان في وجل وخوف وشفقة من قبول أعمالهم: سألت عائشة -رضي الله عنها- رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن قوله: ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ) (المؤمنون: 60) ، قَالَتْ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟! قَالَ: ( لاَ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لاَ يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

- الصادقون بعد رمضان يتلمسون كل ما يبشرهم بقبول الله لأعمالهم: عن نافع مولى بن عمر، قال: دخل على ابن عمر سائل يسأله، فقال لابنه: أعطه دينارًا، فأعطاه، فلما انصرف قال ابنه: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر -رضي الله عنهما- " يا بني، لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة أو صدقة درهم؛ لكان فرحي بالموت أشد من فرحة الأهل بعودة الغائب، فان الله قال: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) (المائدة: 27) ". وذكر ابن رجب -رحمه الله- عن معلَّى بن الفضل: "أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم رمضان".

(2) الصادقون بعد رمضان يحرصون على المداومة والمواصلة:

- تمهيد: أبرز علامات القبول بعد رمضان: المداومة والمواصلة لجنس الطاعات، وعدم الانقطاع، وهو مفهوم تشريع صيام الست من شوال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَن صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتًّا مِن شَوَّالٍ، كانَ كَصِيامِ الدَّهْرِ ) (رواه مسلم) .

تنبيه مهم:

- لن يستطيع أحدٌ أن يصل إلى ما كان يعمل في رمضان، ولكن يسدد ويقارب: قالت عائشة -رضي الله عنها-: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ‌مَا ‌لَا ‌يَجْتَهِدُ ‌فِي ‌غَيره" (رواه مسلم) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَسَدِّدُوا وقَارِبُوا ) (رواه البخاري) .

- الصادقون بعد رمضان يعلمون ذلك جيدًا، فيحرصون أشد الحرص على المداومة لجنس الأعمال دون انقطاع: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ -تَعَالَى- أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ ) (متفق عليه) ، وقال تعالى: ( الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ) (المعارج: 23) ، وقال بعض السلف: "إذا رأيتَ الرجل على الطاعة مداومًا؛ فاعلم أن لها عنده أخوات " (1) .

- الصادقون بعد رمضان يحذرون أشد الحذر من الانقطاع والانتكاس؛ لأنه من علامات الحماقة وعدم الإخلاص: ( وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا ) (النحل: 92) (2) .

- الصادقون بعد رمضان لا يغترون بما قدموا؛ لأنهم يعلمون أن العبادة وظيفة العمر: قال -تعالى-: ( ‌وَمَا ‌خَلَقْتُ ‌الْجِنَّ ‌وَالْإِنْسَ ‌إِلَّا ‌لِيَعْبُدُونِ ) (الذاريات: 56) ، وقال: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر: 99) ، وقال: ( فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ) (مريم: 65) ، وقال: ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الأنعام: 162) . وسُئِل الإمام أحمد: " متى الراحة؟ قال: عندما تضع أول قدم من قدميك في الجنة" (المقصد الأرشد) .

(3) الصادقون بعد رمضان مشغولون بالخاتمة الحسنة لأعمارهم:

- الصادقون بعد رمضان يعتبرون من سرعة انقضاء رمضان على سرعة انقضاء الآجال: قال -تعالى- عن قصر عمر الدنيا: ( زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) (طه: 131) ، قال -تعالى-: ( أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ) (البقرة: 184) ، وقالوا: "كل معدود قليل".

- الصادقون بعد رمضان عَلِموا أن الدنيا القصيرة مرحلة تزود، ثم رحيل كما يرحل رمضان ويرحل كل شيء: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ) (رواه البخاري) .

- الصادقون بعد رمضان علموا أن الاستقامة والاستمرار في الطاعة سبب في حسن الخاتمة: قال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ) (فصلت: 30-33) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إذا أرادَ اللَّهُ بعبدٍ خيرًا ‌اسْتَعْمَلَهُ ). فقيلَ: كَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ( يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ المَوْتِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

(خاتمة): ماذا يفعل مَن قَصَّر في رمضان؟

- عليه بالتوبة والندم والرجوع: قال الله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ . أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) (آل عمران: 135-136) .

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار كتابًا قال فيه: "قولوا كما قال أبوكم آدم: ( قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (الأعراف: 23) ، وقولوا كما قال نوح: ( إِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ ) (هود: 27) ، وقولوا كما قال موسى: ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ) (القصص: 16) " (لطائف المعارف) .

- لزوم طريق الصادقين، واجتناب طريق الفاسدين، ففي حديث قاتل المائة كان من أسباب نجاته من عذاب الله، هجره أهل السوء ومكان السوء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ثُمَّ سَأَلَ عن أعْلَمِ أهْلِ الأرْضِ فَدُلَّ علَى رَجُلٍ عالِمٍ، فقالَ: إنَّه قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ، فَهلْ له مِن تَوْبَةٍ؟ فقالَ: نَعَمْ، ومَن يَحُولُ بيْنَهُ وبيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إلى أرْضِ كَذا وكَذا، فإنَّ بها أُناسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فاعْبُدِ اللَّهَ معهُمْ، ولا تَرْجِعْ إلى أرْضِكَ، فإنَّها أرْضُ سَوْءٍ... ) (متفق عليه) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) من جنس الأعمال: (صيام النوافل بعد رمضان ـ قيام الليل ولو بركعتين ـ المحافظة على قسط من قراءة القرآن يوميًّا ـ التصدق ولو بالقليل من المال أو الأعمال الصالحة ـ الدعاء والتضرع ولو بين الأذان والإقامة ـ وهكذا...).

(2) الإشارة إلى بعض صور الانتكاس (الذين لا يعبدون الله إلا في رمضان ـ المؤجلون للذنوب في رمضان ـ ...).