الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (116) دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (20)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وأما الخوف بسبب الأمور الظاهرة: كحرب عُبَّاد الأوثان والطواغيت، ومكرهم وكيدهم؛ فإن هذا الخوف إذا انعقدت أسبابه وظهرت، كان خوفًا طبيعيًّا لا عباديًّا، ككلِّ خوفٍ مِن الأعداء، وما يؤذي من الحيوانات المفترسة، والدواب والهوام السامة، وغيرها، وهذا لا يكون شركًا، بل وقد لا يكون محرمًا، بل قد وَقَع من الأنبياء شيء منه، لكنه لا يستقر في القلب بقوة التوكل على الله، واللجوء إليه -سبحانه-، قال -تعالى- عن موسى وهارون: ( قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى . قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) (طه: 45-46) ، فعلَّمهما الله -عز وجل- إذهاب ذلك الخوف باستحضار معية الله -عز وجل-، وأنه -سبحانه- الذي يسمع كلامهما وكلام أعدائهما، ويرى أعمالهما وأعمال أعدائهما، ويعلم أنهما إنما قاما لنصرة دينه، وأن أعداءه يحاربون دينه، وكما قال -سبحانه وتعالى-: ( فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى . قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى . وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ) (طه: 67-69) ، وقال -سبحانه وتعالى- عن موسى -عليه الصلاة والسلام-: ( فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (الشعراء: 21) .
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا خاف قومًا قال: ( اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
فدلَّ على أنه قد يقع في القلب ابتداءً مع كمال الإيمان، وقد أرشد الشرع إلى التوكل على الله؛ لدفع ضرر مَن يُخْشَى ضرره، وحَذَّر مِن استقراره في القلب ونهى عنه؛ حتى لا يترك الإنسانُ اتباعَ رضوانِ الله، قال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ . إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (آل عمران: 173-175) .
فإذا نقص توكل العبد حتى استقر الخوف في قلبه من أعدائه؛ كان جبنًا مذمومًا، ثم لو أدَّى إلى ترك واجبٍ: كترك الجهاد بالفرار من الزحف، أو فعل محرم دون إكراهٍ معتبر شرعًا؛ كان خوفًا محرمًا، فإن كانت هذه المعصية كفرًا ولم يكن هناك إكراه معتبر؛ كان خوفًا كفريًّا، وفعله الكفر كفرًا، كمَن يتصور أن أعداءه من الظالمين يريدون منه تركَ الإسلام وسبَّ الدِّين ليتركوه دون أذى، فيعلن كفره ويسب الدِّين، ويقرِّب الذباب لأوثانهم ولو لم يعرضوه على إكراه! لحقارة النفس، وانهيار الإيمان في القلب، وانعدام التوكل على الله -والعياذ بالله من ذلك-.
اللهم إننا نجعلك في نحور الظالمين، ونعوذ بك من شرورهم. والله المستعان.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
