شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (120) دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (24)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث في عذاب القبر: ( إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ ‌يَمْشِي ‌بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ ) (متفق عليه) .

وأحاديث إخراج عصاة الموحِّدين من النار متواترة، وهي تتضمن دخول بعض الموحدين النار ثم خروجهم منها؛ لذا نقول: إن مَن سَلِم مِن أجناس الظلم الثلاثة: الشرك، وظلم العباد، وظلمه لنفسه بما دون الشرك، كان له الأمن التام والاهتداء التام، ومَن لم يسلم مِن ظلمه لنفسه كان له مطلق الأمن والاهتداء؛ بمعنى أصل الأمن، لا الأمن الكامل، أي: أنه لا بد أن يدخل الجنة، لكن قبل ذلك يحصل له مِن نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص مِن إيمانه بظلمه لنفسه.

فالظلم التام المطلق وهو الشرك، رافع لمطلق الأمن والاهتداء، ومزيل لأصلهما، ومطلق الظلم أي: ما دون الشرك رافع للأمن المطلق والاهتداء المطلق، أي: الكاملين التامين، والشرك ظلم العبد لنفسه بوضعها في غير موضعها في أعظم أمرٍ خُلِق من أجله، وهو عبودية الله -عز وجل-؛ فبدلًا من عبوديتها لله جعلها تَعْبُد مَن سواه، ولا يصح أن يُقَال: إن الشرك الأكبر ظلم لله، فالله أعلى وأعز من أن يَقْدِر العباد على ظلمه أو ضره أو نفعه، كما قال -سبحانه وتعالى- في الحديث القدسي: ( ‌يَا ‌عِبَادِي ‌إِنَّكُمْ ‌لَنْ ‌تَبْلُغُوا ‌ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي ) (رواه مسلم) .

فعقائدهم الفاسدة لا تغيِّر من الحق شيئًا؛ قال الله -سبحانه وتعالى-: ( ‌وَمَا ‌ظَلَمُونَا ‌وَلَكِنْ ‌كَانُوا ‌أَنْفُسَهُمْ ‌يَظْلِمُونَ ) (البقرة: 57) ، وهذا الأمن والاهتداء لأهل الإيمان الخالص من الشرك يكون في الدنيا والآخرة؛ ( ‌أَلَا ‌بِذِكْرِ ‌اللَّهِ ‌تَطْمَئِنُّ ‌الْقُلُوبُ ) (الرعد: 28 ) .

وهذه الآية -مع الحديث الشريف في سبب نزولها-: دليل على صحة العمل بمفهوم المخالفة؛ لأن الصحابة -رضي الله عنهم- ظنوا أن مفهوم الآية: أن الذين آمنوا ولبسوا إيمانهم بظلم، أولئك ليس لهم أمن ولا اهتداء، فبيَّن لهم -صلى الله عليه وآله وسلم- أن هذا مِن العام الذي أُرِيد به الخاص؛ أن لفظة الظلم وَرَدَتْ في سياق النفي فهي في صيغة العموم، لكن أُرِيد به الخاص، وهو الظلم الأكبر بدلالة السُّنة، وهذا يتضمَّن أيضًا العمل بالعموم حتى يأتي المخصص أو يأتي الدليل الذي يدل على أنه عام أريد به الخاص.

ولا يجوز ادِّعَاء أن هذا العموم أُرِيد به الخصوص، أو أنه مخصص إلا بالدليل، وهذا الدليل ثابت من السنة، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- أقرهم على العمل بالمفهوم، وأقرهم على العمل بالعموم حتى بيَّن لهم -صلى الله عليه وسلم- أنه أُرِيد به الخاص، ويبقى الاحتجاج على عذاب أصحاب الذنوب مستفادًا من دليل آخر، كما ذكرناه في بعض أدلة عذاب أصحاب الذنوب، وهي أكثر مِن أن تُحْصَى أو تُجمَع في هذا السياق.

وفي هذه الآية -مع هذا الحديث أيضًا-: دليل على أن القرآن لا يجوز تفسيرة إلا بالرجوع إلا السنة؛ فلو فُهِم بمقتضى اللغة العربية وحدها؛ لقلنا: إن أي ظلم للنفس يمنع الأمن والاهتداء بالكلية، وهذا باطل، وإنما هو على مذهب الخوراج، ولكن دَلَّت أدلة السنة بأن هذا -كما ذكرنا- من العام الذي أريد به الخاص، وكذلك دلت أدلة الكتاب والسنة على عذاب بعض أصحاب الذنوب دون أن يُخَلَّدوا في النار، فالذين يقولون: إن القرآن يفسَّر بمقتضى اللغة العربية دون رجوع إلى آيات القرآن وإلى أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ودون أقوال الصحابة، على شفا خطر عظيم، بل على بدعة ضلالة، لا بد وأن يفسَّر القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم بأقوال التابعين، وما اختلفوا فيه بعد ذلك فيرجَّح بمقتضى اللغة العربية، وليس أنه يُرجَع إلى تفسير القرآن إليها بمجردها دون نَظَرٍ في الأدلة الأربعة.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة