شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الزلازل الشديدة والبراكين دعوة إلى التوبة والاستغفار (2)

الشيخ علاء بكر • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد بيَّنَّا -فيما سبق- ما توصَّل إليه العلم الحديث حتى الآن بما يتعلق بالزلازل والبراكين، ونبحث الآن فيما يتعلَّق بما ورد في الكتاب والسنة بما يتعلَّق بهذا الأمر، وما ينبغي أن يعلمه المسلم، وأن يتعامل بناءً عليه في هذا الشأن.

وهذا يتضمن الإيمان بأمورٍ، منها:

- أن الله يعلم كلَّ ما يحدث على الأرض:

مما لا شك فيه عند كلِّ مسلم: أن الله -تعالى- يعلم كل شيء يحدث في السماوات أو في الأرض، لا يغيب عنه كبير أو صغير فيهما مهما كان، وقد جاءت الآيات القرآنية الكثيرة التي تؤكِّد هذا الأمر، قال -تعالى-: ( ‌وَعِنْدَهُ ‌مَفَاتِحُ ‌الْغَيْبِ ‌لَا ‌يَعْلَمُهَا ‌إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (الأنعام: 59) ، وقال: ( ‌وَمَا ‌يَعْزُبُ ‌عَنْ ‌رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (يونس: 61) . ( ‌وَمَا ‌يَعْزُبُ ) أي: لا يغيب.

وقال: ( ‌أَلَمْ ‌تَعْلَمْ ‌أَنَّ ‌اللَّهَ ‌يَعْلَمُ ‌مَا ‌فِي ‌السَّمَاءِ ‌وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) (الحج: 70) ، وقال: ( ‌وَمَا ‌يَعْزُبُ ‌عَنْ ‌رَبِّكَ ‌مِنْ ‌مِثْقَالِ ‌ذَرَّةٍ ‌فِي ‌الْأَرْضِ ‌وَلَا ‌فِي ‌السَّمَاءِ ‌وَلَا ‌أَصْغَرَ ‌مِنْ ‌ذَلِكَ ‌وَلَا ‌أَكْبَرَ ‌إِلَّا ‌فِي ‌كِتَابٍ ‌مُبِينٍ ) (يونس: 61) ، وقال: ( يَابُنَيَّ ‌إِنَّهَا ‌إِنْ ‌تَكُ ‌مِثْقَالَ ‌حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) (لقمان: 16) ، وقال: ( ‌لِتَعْلَمُوا ‌أَنَّ ‌اللَّهَ ‌عَلَى ‌كُلِّ ‌شَيْءٍ ‌قَدِيرٌ ‌وَأَنَّ ‌اللَّهَ ‌قَدْ ‌أَحَاطَ ‌بِكُلِّ ‌شَيْءٍ ‌عِلْمًا ) (الطلاق: 12) ، وقال: ( ‌وَاللَّهُ ‌بِكُلِّ ‌شَيْءٍ ‌عَلِيمٌ ) (الحجرات: 12) ، وقال: ( ‌وَسِعَ ‌رَبُّنَا ‌كُلَّ ‌شَيْءٍ ‌عِلْمًا ) (الأعراف: 89) ، وقال: ( ‌وَمَا ‌مِنْ ‌غَائِبَةٍ ‌فِي ‌السَّمَاءِ ‌وَالْأَرْضِ ‌إِلَّا ‌فِي ‌كِتَابٍ ‌مُبِينٍ ) (النمل: 75) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

فكل ما يوجد في باطن الأرض أو على سطحها يحيط الله -تعالى- به إحاطة تامة، لا يخفى عنه حال أي ذرة هنا أو هناك، ساكنة كانت أو متحركة، فكل حركة تقع أو سكون يحدث بلا استثناء هو بإذنه -تعالى-، ويقع تحت علمه وسمعه وبصره -عز وجل-، وكل ما يحدث في باطن الأرض من صدوع وحركة صخور، وكل ما يجري في أعماق الأرض ومركزها من زيادات في درجات الحرارة أو ارتفاع في الضغط، وكل ما ينصهر فيها من معادن وصخور، لا يغيب عن الله -تعالى- منه شيء، بل هو في ملكه وتحت مشيئته، قال -تعالى-: ( ‌لَهُ ‌مَا ‌فِي ‌السَّمَاوَاتِ ‌وَمَا ‌فِي ‌الْأَرْضِ ‌وَمَا ‌بَيْنَهُمَا ‌وَمَا ‌تَحْتَ ‌الثَّرَى ) (طه: 6) .

- أن المصائب والكوارث كلها مقدَّرة:

فكل ما يقع في الأرض من حوادث أو كوارث، صغرت أو كبرت طالت أو قصرت، إنما هي بعلم الله -تعالى-، تحت ملكه وبإذنه ومشيئته؛ لا راد لحكمه فيها، ولا معقِّب لأمره؛ فهو -عز وجل- يجعل لها الأسباب ويمضيها، ولو شاء عطلها ومنع حدوثها، قال -تعالى-: ( ‌مَا ‌أَصَابَ ‌مِنْ ‌مُصِيبَةٍ ‌فِي ‌الْأَرْضِ ‌وَلَا ‌فِي ‌أَنْفُسِكُمْ ‌إِلَّا ‌فِي ‌كِتَابٍ ‌مِنْ ‌قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (الحديد: 22 -23) ، فالله الذي أبرأها وهو الذي قدَّرها وهي عنده مكتوبة، لا يعجزه ذلك ولا يشق عليه، بل هو على كل ذلك قدير، وهو عليه يسير.

وقال: ( ‌مَا ‌أَصَابَ ‌مِنْ ‌مُصِيبَةٍ ‌إِلَّا ‌بِإِذْنِ ‌اللَّهِ ‌وَمَنْ ‌يُؤْمِنْ ‌بِاللَّهِ ‌يَهْدِ ‌قَلْبَهُ ) (التغابن: 11)، وقال: ( ‌قُلْ ‌لَنْ ‌يُصِيبَنَا ‌إِلَّا ‌مَا ‌كَتَبَ ‌اللَّهُ ‌لَنَا ) (التوبة: 51)، وقال: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ ‌لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ) (فاطر: 44).

- أن الله -تعالى- يهلك مَن يشاء متى شاء وينجي مَن يشاء:

يتعرَّض الناس للكوارث والحوادث في وقتٍ واحدٍ، فينجو هذا ويهلك هذا، وربما هلك القوي العفي، ونجا الضعيف، وربما لم تنفع الاحتياطات مَن احتاط بها، ولم تسعف الأسباب مَن أخذ بها، فيهلك هذا رغم ما احتاط به، وأصيب هذا بما يكره رغم الأخذ بأسباب منعه، وربما تجاوز صغير أو مولود خطرًا ليس له أدنى قدرة على دفعه والإفلات منه، فنجا بلا حول منه ولا قوة؛ فنرى زلازل تهلك أصحاء أقوياء، ونرى أطفالًا ورضع ينجون في نفس الزلزال، بل ربما أخرجوا من تحت الأنقاض أحياء بعد أيام؛ كل ذلك بقدر الله -تعالى- ومشيئته النافذة وتابع لحكمته فيها، فلكل أجل كتاب، قال -تعالى-: ( ‌وَلَمَّا ‌جَاءَتْ ‌رُسُلُنَا ‌إِبْرَاهِيمَ ‌بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ . قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ . وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ . إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (العنكبوت: 31 - 35) .الغابرين: الهالكين.

الصفحة التالية