شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الكبائر (20) الكذب (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- الْكَذِبُ رِيبَةٌ واضطراب: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ طمأنينة، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَة ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وسبب الريبة: أن آفة الكذاب نسيان كذبه؛ لذلك يظل متخوفًا من أن يفتضح أمره، ويطلع الناس على كذبه، وسوء فعله.

- الكذاب يُعذَّب في قبره قبل يوم القيامة: ففي حديث الرؤيا الطويل: ( فَانْطَلَقْنَا، ‌فَأَتَيْنَا ‌عَلَى ‌رَجُلٍ ‌مُسْتَلْقٍ ‌لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الْأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى ) فسأل عنه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فقيل له: ( إِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ ‌الْكَذِبَةَ ‌تَبْلُغُ ‌الْآفَاقَ ) (رواه البخاري) (3) .

(3) فضل الصدق وترك الكذب:

- الصِّدق منجاة للعبد في الدنيا والآخرة: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( ‌عَلَيْكُمْ ‌بِالصِّدْقِ، ‌فَإِنَّ ‌الصِّدْقَ ‌يَهْدِي ‌إِلَى ‌الْبِرِّ، ‌وَإِنَّ ‌الْبِرَّ ‌يَهْدِي ‌إِلَى ‌الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا ) (متفق عليه) ، وفي الصحيحين في قصة توبة كعب بن مالك -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بشَّره بذلك، قال: "يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ إِنَّمَا أَنْجَانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ، قَالَ: فَوَاللهِ ‌مَا ‌عَلِمْتُ ‌أَنَّ ‌أَحَدًا ‌مِنَ ‌الْمُسْلِمِينَ ‌أَبْلَاهُ ‌اللهُ ‌فِي ‌صِدْقِ ‌الْحَدِيثِ ‌مُنْذُ ‌ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى يَوْمِي هَذَا أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي اللهُ بِهِ، وَاللهِ مَا تَعَمَّدْتُ كَذِبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللهُ فِيمَا بَقِيَ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ -عز وجل-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (التوبة: 119) (رواه مسلم) ".

- موقف شجاع في بيان قبح الكذب: روى ابن عساكر: "أن سليمان بن يسار دخل على هشام بن عبد الملك، فقال له: يا سليمان، الذي تولى كبره مَن هو؟ قال: عبد الله بن أُبَيِّ، قال: كذبت هو علي! قال: أمير المؤمنين أعلم بما يقول، فدخل الزهري فقال: يا ابن شهاب، مَن الذي تولى كبره؟ فقال: ابن أُبَيِّ. قال: كذبت هو علي، قال: أنا أكذب؟ لا أبا لك، والله لو نادى منادٍ من السماء: أن الله قد أحل الكذب ما كذبت، حدثني عروة وسعيد وعبد الله وعلقمة عن عائشة: أن الذي تولى كبره: عبد الله بن أُبَي" (تاريخ دمشق لابن عساكر) .

فاللهم ارزقنا الصدق في الأقوال والأعمال، والحمدُ لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ومع أنه أقل أنواع الكذب خطرًا، وأخفها على صاحبه أثرًا؛ إلا أنه من الكبائر، ومنافٍ للإيمان، وسبب محق البركة، وعلامة من علامات النفاق، وأقرب الطرق للنار، وسبب الريبة والاضطراب، ومَن اتصف به كان أبعدَ الناس عن الهداية، وأقرَبَهم إلى الغواية.

(2) متى يجوز الكذب؟

الجواب: استثنى العلماء -رحمهم الله- الكَذِبَ إذا كان لإصلاحٍ بين متخاصمَين، والكذب في الحرب، والكذب إذا كان لدفع الظلم، فإذا اختفَى مسلم مِن ظالم يريد قتْلَه أو أخْذَ ماله، وأخفى ماله وسُئل إنسان عنه، وجب الكذب بإخفائه، وكذا لو كان عنده وديعة وأراد ظالم أخْذها فإنه يكذب لإخفائها، والأحوط أن يوَرِّي، ومعنى التورية: أن يقصد بعبارته مقصودًا صحيحًا ليس هو كاذبًا بالنسبة إليه، وإنْ كان كاذبًا في ظاهر اللفظ، وبالنسبة إلى ما يفهمه المخاطَب.

وقد استدلَّ العلماء على جواز الكذب في هذا الحال، بما رواه البخاري ومسلم من حديث أم كلثوم رضي الله عنها؛ أنها سمعَت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( لَيْسَ ‌الْكَذَّابُ ‌الَّذِي ‌يُصْلِحُ ‌بَيْنَ ‌النَّاسِ، ‌فَيَنْمِي ‌خَيْرًا ‌أَوْ ‌يَقُولُ ‌خَيْرًا )، زاد مسلم: قال ابن شهاب -رحمه الله-: "وَلَمْ ‌أَسْمَعْ ‌يُرَخِّصُ ‌فِي ‌شَيْءٍ ‌مِمَّا ‌يَقُولُ ‌النَّاسُ ‌كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا".

(3) ومِن هؤلاء في زماننا: الكَذَّابون في وسائل الإعلام، ومروجو الأكاذيب على النت، ونحوه.

الصفحة السابقة