الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (123) دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (27)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الفائدة السادسة: قوله -تعالى- ( وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأنعام: 88) ، دليل على أن الشرك محبط للعمل، كما دَلَّت عليه آيات القرآن؛ قال الله -تعالى-: ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ . بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ ) (الزمر: 65-66) ، وقال -تعالى-: ( مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ . أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (هود: 15-16) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) (النساء: 48) .
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه -عز وجل-: ( أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ ) (متفق عليه) .
وهذا يدل على أنه مهما تحمَّل الإنسان من جهد في العبادة أو الزهد، أو حرمان نفسه من ملاذ الحياة، أو عذَّب نفسه بالرهبانية؛ لا يقبل الله ذلك منه إذا أشرك بالله، أو ادَّعى له صاحبة أو ولدًا، أو كَذَّب ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، كما قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: "لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ، مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ".
المسألة السابعة: قوله -تعالى-: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) دليل على أن شرع الأنبياء قبلنا الذي ثبت بشرعنا كتاب وسنة، شرع لنا ما لم يَرِد شرعنا بخلافه؛ فالأصل عدم النسخ في هذه الشرائع الثابتة بما قَصَّ الله علينا في كتابه، أو أخبرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سنته، ولكن يجب الانتباه إلى أن حكايات أهل الكتاب من كتبهم وعن أنبيائهم لا يعتد بها؛ لما علمنا بنصِّ القرآن من تحريفهم الكلم عن مواضعه، ونسيان ما ذُكِّروا به؛ فقد زادوا وأنقصوا، وحرَّفوا وبدَّلوا في الوحي المنزَّل إليهم؛ فلا يعتد لذلك بكلامهم، فالعبرة في هذه المسألة على ما ثَبَت بشرعنا أنه كان شريعة لأنبياء الله ورسله، ولم يأتِ شرعنا بخلافه، فإن أَتَى شرعنا بخلافه؛ فهو منسوخ.
المسألة الثامنة: الرسل لا يأخذون أجرًا على دعوتهم وتعليمهم للناس، وكذلك أتباعهم الصادقون من أئمة الأمة، لم يأخذوا أجرًا، ولا يأخذون أجرًا على الدعوة وتعليم العِلْم، ونشر السُّنن؛ فهؤلاء أئمة الأمة: كالأئمة الأربعة، وشيوخهم، وتلامذتهم، ما أخذوا درهمًا واحدًا على ما عَلَّموا الأمة، وهؤلاء علماء الحديث الذين رَحَلوا في البلاد كلها: كالبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم؛ ممَّن بَذَلوا أعمارهم في جمع السنة: هل أخذوا درهمًا واحدًا على تعليم العِلْم؟!
نسال الله أن يجعلنا من أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- الصادقين.
المسألة التاسعة: قوله -تعالى-: ( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ): فيه إثبات عالمية الإسلام منذ العهد الأول، ومنذ كان الإسلام محاصرًا في مكة، ومع ذلك فقد استقر في نفس النبي -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين به أن هذا الدِّين ليس خاصًّا بالعرب، ولا بأهل مكة، ولا بقوم دون قوم، بل القرآن ذِكْر للعالم كله، يجب على الإنس والجن الإيمان به واتباعه، والعمل به، ويجب على المؤمنين نَشْر هذا القرآن والدعوة إليه، والدعوة به في أرجاء العالم كله؛ لا يختص بذلك بلد دون بلد، ولا جنس دون جنس، ولا لسان دون لسان، بل يُترجَم إلى الألسنة إلى أن يتعلَّم أهل الألسنة الأخرى لغة العرب؛ ليحسنوا تلاوة القرآن، فيحسنوا التذكر به.
نسال الله أن يَمُنَّ علينا بالذكرى، والحمد لله رب العالمين.
