شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (125) عقوبة الله -عز وجل- لقوم إبراهيم لما كَذَّبوه

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الفائدة الثالثة: قوله -سبحانه-: ( فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )، فالله -عز وجل- مُنَزَّه في كمال عدله عن الظلم، ( ‌إِنَّ ‌اللَّهَ ‌لَا ‌يَظْلِمُ ‌مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ) (النساء: 40) ، وقال -تعالى- في الحديث القدسي: ( يَا عِبَادِي، إِنِّي ‌حَرَّمْتُ ‌الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا ) (رواه مسلم) .

والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وليس كما يقول البعض من المتكلمين: أنه التَّصَرُّف في غير ملكه؛ ولذا جعلوا الظلم مستحيلًا بذاته في حق الله -سبحانه وتعالى-، وظاهر الحديث القدسي: ( يَا عِبَادِي، إِنِّي ‌حَرَّمْتُ ‌الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ) أنه مُنَزَّه -سبحانه وتعالى- عن فعله مع قدرته عليه، ولكنه لا يفعله؛ لأن كمال عدله ينافي أن يظلم؛ ولذا فإنه -سبحانه وتعالى- لا يعذِّب الناس إلا على أعمالهم، كما في هذا الحديث القدسي: ( يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ )، فلا يُعَذَّب أحدٌ إلا بذنبٍ عمله بإرادته وقدرته التي خلقها الله له، ولا يجوز في حقه -سبحانه وتعالى- أن يعذب الأنبياء والملائكة والطائعين، وينعِّم الكفار والزنادقة والملحدين، والفاسقين والظالمين؛ بحجة أنه يتصرف في ملكه كما يقول الأشاعرة! بل هو -سبحانه وتعالى- لا يفعل ذلك؛ لكمال حكمته -سبحانه-.

والحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَوْ أَنَّ اللَّهَ ‌عَذَّبَ ‌أَهْلَ ‌سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ، عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، لا يعني أن الله يمكن أن يعذِّبَ المطيعين على طاعتهم؛ خاصة الأنبياء والملائكة الذين عصمهم الله مِن معصيته، وهم لو عصوا على مذهب مَن يُجَوِّز الصغائر عليهم؛ فإنهم يتوبون إلى الله، ولا يصرون عليها على قول جميع العلماء، وهذا لا يعذِّب الله -عز وجل- به، وإنما معنى الحديث: أن الله لو أراد أن يعذبهم لجعلهم يفعلون ما يستحقون به العذاب، فيعذبهم وهو غير ظالم لهم، كما قال -سبحانه-: ( ‌وَإِذَا ‌أَرَدْنَا ‌أَنْ ‌نُهْلِكَ ‌قَرْيَةً ‌أَمَرْنَا ‌مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) (الإسراء: 16) ، وقال -عز وجل-: ( ‌وَإِنْ ‌كَادُوا ‌لَيَفْتِنُونَكَ ‌عَنِ ‌الَّذِي ‌أَوْحَيْنَا ‌إِلَيْكَ ‌لِتَفْتَرِيَ ‌عَلَيْنَا ‌غَيْرَهُ ‌وَإِذًا ‌لَاتَّخَذُوكَ ‌خَلِيلًا . وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا . إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ) (الإسراء: 73-75) .

فالله لا يعذِّب أحدًا إلا بعمل، أو قول، أو اعتقاد عمله بقدرته وإرادته التي خلقها الله له؛ ولذا قال الله -عز وجل-: ( وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )؛ فهم لا يعذَّبون إلا على ظلمهم لأنفسهم، وليس على مجرد إرادة الله أن يعذبهم دون عملٍ منهم، فإن هذا لا يكون، ولا يقع؛ لأن الله -تعالى- لا يريد ذلك؛ لكمال علمه وكمال عدله، وكمال حكمته. والله أعلم .

الصفحة السابقة