الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (126) استغفار إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه حال حياته وتبرؤه منه بعد أن مات على الكفر (1)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ . وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) (التوبة: 113-114 ) .
إن قضيةَ الاستغفار والتَّرَحُّم على الكفار بعد موتهم؛ خاصة إذا كانوا أقارب، أو ممَّن قدَّم شيئًا لخدمة الإسلام أو الأوطان، أو حتى لمجرد المجاملة؛ مِن أهم قضايا الولاء والبراء التي شغلتِ الصحابة قديمًا، ولا تزال تشغل المجتمعات، والجماعات الإسلامية، ومراكز الفتوى حديثًا؛ خصوصًا مع اختلاط المفاهيم، وتداخل مسائل المعاملة بالبرِّ والقسط مع مسائل الولاء والبراء والاعتقاد، بل قد صارتْ مسألة مساواة الأديان، بل وحدتها مما يعتقده كثيرٌ مِن الناس، وكثير منهم ينتسِب إلى الإسلام اسمًا، وكثر الجهل وعظمت البدع الكفرية؛ فضلًا عما دونها في هذا الباب حتى اختلط الأمر على كثيرٍ مِن الناس، فلم يدروا ما الحق مِن الباطل في هذه القضية!
والقرآن دائمًا فيه الحياة للقلوب من موتها بالجهل والكفر، وشفاؤها من أمراضها، ونورها من ظلمات الكفر والظلم والجهل.
وفيه: بيان الأسوة الحسنة للمؤمنين في أنبياء الله -سبحانه وصلواته عليه وسلامه أجمعين-، وخاصة إبراهيم -صلى الله عليه وآله وسلم-؛ أبو الأنبياء مِن بعده، وأكثرهم بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- بيانًا لقضية البراءة من الشرك، فبيَّن الله في هذه الآية الكريمة الحكم الشرعي الواجب على النبي -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين مِن حرمة الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربًا، ثم بيان شبهة البعض لاستغفار إبراهيم -صلى الله عليه وآله وسلم- لأبيه.
قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: "روى الإمام أحمد: عن ابن المسيب، عن أبيه قال: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ: ( أَيْ عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ بِهَا لَكَ عِنْدَ اللهِ )، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟! قَالَ: فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ ) فَنَزَلَتْ: ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) (التوبة: 113) ، قَالَ: وَنَزَلَتْ فِيهِ: ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) (القصص: 56) . أخرجاه -أي: البخاري ومسلم في الصحيحين-.
وروى الإمام أحمد بسنده عن علي -رضي الله عنه- قال: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ، فَقُلْتُ: أَيَسْتَغْفِرُ الرَّجُلُ لِأَبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ؟ فَقَالَ: أَوَلَمْ يَسْتَغْفِرْ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ؟ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَنَزَلَتْ: ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) إِلَى قَوْلِهِ: ( تَبَرَّأَ مِنْهُ ) (التوبة: 113 - 114) ، قَالَ: ( لَمَّا مَاتَ ). فلا أدري قاله سفيان أو قاله إسرائيل، أو هو في الحديث: ( لَمَّا مَاتَ ). قلتُ: هذا ثابت عن مجاهد أنه قال: لمَّا مَات.
وقال الإمام أحمد بسنده عن ابن بريدة، عن أبيه قال: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فنزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر بن الخطاب وفداه بالأب والأم، وقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ؟ قَالَ: ( إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي -عز وجل- فِي الِاسْتِغْفَارِ لِأُمِّي، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَدَمِعَتْ عَيْنَايَ رَحْمَةً لَهَا مِنَ النَّارِ، وَإِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ: نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا؛ لِتُذَكِّرَكُمْ زيارتُها خَيْرًا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَكُلُوا وَأَمْسِكُوا مَا شِئْتُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَشْرِبَةِ فِي الْأَوْعِيَةِ، فَاشْرَبُوا فِي أَيِّ وِعَاءٍ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا ).
وروى ابن جرير، من حديث علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما قَدِم مكة أتى رسم قبر، فجلس إليه، فجعل يخاطب، ثم قام مستعبرًا. فقلنا: يا رسول الله، إنا رابنا ما صنعت. قال: إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي، فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، فما رئي باكيًا أكثر من يومئذٍ ( قلتُ: الظاهر أنه يقصد لما كان في طريق قدومه لمكة؛ لأن آمنة بنت وهب ماتت بين مكة والمدينة).
