الكبائر (26) الإسراف والتبذير (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة، التي ضَمِن الله لمَن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: ( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ) (النساء: 31) .
- الإسراف والتبذير من الذنوب المفسدة للدنيا والدين، وهو من كفران نعمة رب العالمين، ومن الكبائر الموبقات: قال الله -تعالى-: ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) (الأعراف: 31) ، وقال -تعالى-: ( وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا . إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ) (الإسراء: 26-27) .
المقصود بالإسراف والتبذير:
- قال الراغبُ الأصفهاني: "السَّرَفُ: تَجاوزُ الحدِّ في كلِّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ الإنسانُ، وإنْ كان ذلكَ في الإنفاقِ أشهر"، وقال الشافعيُّ: "التبذيرُ: إنفاقُ الْمَالِ في غيرِ حَقِّه"، والفرقُ بينهما كما قال الجرجاني: "الإسرافُ: صرفُ الشيءِ فيما ينبغي زائدًا على ما ينبغي؛ بخلاف التبذير؛ فإنه صرفُ الشيءِ فيما لا ينبغي".
- من صور الإسراف: أن يقوم الشخص بملء طبقه من مائدة الطعام حتى لو لم يكن محتاجًا لذلك، فهذا يعني أنه أسرف في شيء مباح -أي: الطعام-؛ لأنه قد يأكل فقط نصف هذا الطبق والباقي سيرميه - الإسراف في الماء والكهرباء، والولائم وتجهيزات الزواج وحفلاته - استبدال الهواتف والأثاثات والسيارات دون حاجة - مواقع إلكترونية للأرقام المميزة للهواتف، والسيارات، ونحوها بمبالغ خيالية!
- من صور التبذير: مَن يشتري شيئًا مِن المحرمات (السجائر - شراء الكلاب والطيور بمبالغ كبيرة - صفقات لاعبي الكرة بأرقام قياسية - حفلة الكريسماس في دولة خليجية تعدل ميزانية دولة إفريقية!). "ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا".
- في نفس الوقت... كم من الفقراء يموتون من الجوع! وكم من المشاريع الخيرية والدعوية وغيرها تعطلت؛ لعدم مَن ينفق عليها! وكم... وكم...!: قال -تعالى-: ( أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ . لِيَوْمٍ عَظِيمٍ . يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) (المطففين: 4-6) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
حكم الإسراف والتبذير:
- حرَّم الله الإسراف؛ لما له مِن أضرار على الإنسان في الدنيا والآخرة: قال -تعالى-: ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) (الأعراف: 31) ، وقال -تعالى-: ( وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ) (الإسراء: 29) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ) (متفق عليه) .
- وشَبَّه الله المسرفين بالشياطين تنفيرًا من فعلهم: قال - -تعالى-: ( وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا . إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ) (الإسراء: 26-27) ، قال ابن كثير: "أي: في التبذير والسفه، وترك طاعة الله".
- وجعل المسرفين المبذرين من أبغض الناس إليه: قال -تعالى-: ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) (الأعراف: 31) .
- وجعل عليهم في الدنيا أحكامًا استثنائية بسبب إسرافهم -الحجر-: ( وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ) (النساء: 5) .
الآثار والعواقب السيئة للإسراف:
1- الإسراف وحده سبب للإبعاد عن الله؛ لعدم محبة الله لصاحبه: قال -تعالى-: ( إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) (الأنعام: 141) .
2- الإسراف في الأكل يضرُّ بصحة الإنسان، ويجعله كسولًا وربما عاجزًا عن استدراك عمره في الأعمال الصالحة، وفيما ينفعه ويرفعه: قال -تعالى-: ( وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ ) (الأعراف: 31) .
3- الإسراف في الإنفاق في غير وجوه الخير، يعرض الإنسان للمساءلة والعتاب أو العقاب يوم القيامة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
4- قد يكون الإسراف والتبذير طريقًا ينتهي بصاحبه إلى تطاول يده للمال الحرام، حتى يلبي لنفسه ما اعتادت عليه من الترف والرفاهية والإسراف في الإنفاق: قال ابن عاشور -رحمه الله-: "والإسراف إذا اعتاده المرء حمله على التوسع في تحصيل المرغوبات، فيرتكب لذلك مذمَّات كثيرة، وينتقل من ملذَّة إلى ملذَّة، فلا يقف عند حدٍّ" (التحرير والتنوير) .
5- يؤدي الإسراف والتبذير إلى الكبر والعجب والتفاخر والغرور، وهي من باطن الإثم الذي أمر الله باجتنابه وتركه: قال -تعالى-: ) وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ ) (الأنعام: 120) .
أسبابُ الإسراف والتبذير:
1- الجهل بأحكام الشريعة، وما جاء من الوعيد على ذلك.
2- التأثُّر بالبيئة، من باب المحاكاة والتشبه؛ لئلا يظهر أنه أقل منهم.
3- الغِنَى بعد الفقرِ -إلا من رحم الله-، وكأنه ناقم على زمان الفقر بالإسراف والتبذير.
4- الغفلة عن الآخرةِ بنسيان نعيمها، فيريد التنعم بكثرة التبذير والإسراف.
5- مُصاحبة المسرفينَ والْمُبذِّرين، فيسايرهم في أحوالهم.
الفرق بين الإسراف والسخاء؟
