الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (130) استغفار إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه حال حياته وتبرؤه منه بعد أن مات على الكفر (5)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
قلتُ: (هذا الكلام إنما هو فيمَن لم تبلغه دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى لا إله إلا الله، وأنه رسول الله؛ فأما مَن بلغته: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"؛ فإنه بنصِّ الحديث معذَّب؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) (رواه مسلم) .
ثم إن كلام الغزالي -غفر الله له- في أنهم مرحومون مطلقًا ليس بصحيح، فإن الأحاديث ثبتت بوجوب اختبارهم يوم القيامة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَرْبَعَةٌ يَحْتَجُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَصَمُّ، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرِمٌ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ؛ فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ قَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونَنِي بِالْبَعَرِ، وَأَمَّا الْهَرِمُ فَيَقُولُ: رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ رَسُولًا أَنِ ادْخُلُوا النَّارَ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا كَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا ) (رواه أحمد، وابن حبان، وصححه الألباني) ، وهذا الحديث يدل على أن بعضهم يُرحَم إذا استجاب يوم القيامة وبعضهم يعذَّب؛ لأنه أَبَى أن يمتثل أمر الرسول الذي أرسل إليه في عرصات القيامة فيسحب إلى النار -والعياذ بالله-.
وهذه المسألة حدثت بسببها أنواع من الاضطراب عند المعاصرين لجعلهم أهل أوروبا وأمريكا، والشرق والغرب، ممَّن لم تبلغهم الدعوة، وظنوا أن التفصيل في بلوغ رسالة الإسلام ومحاسنه ومعجزات النبوة كاملة، لا بد أن تصل إليهم حتى يكونوا معذَّبين، وليس الأمر كذلك؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة قاتلوا الأمم بمجرد أن يدعوهم إلى شهادة: "أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، ومَن سأل عن الحجة بُيِّنت له، وأما من أبى وأعرض وقلَّد سادته وكبراءه في الكفر والتكذيب بعد أن بلغته المسألتان العظيمتان: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"؛ فهو معذَّب بلا شك مات كافرًا، وهؤلاء هم "الطبقة السابعة عشرة" من مقلدي الكفار الذين ذكرهم ابن القيم في طبقات المكلفين في "طريق الهجرتين"، وفي "حادي الأرواح".
وقد قال -سبحانه وتعالى-: ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ) (الكهف: 103-105) .
فالمُقَلِّدون في الكفر، المُعرِضون عن البحث عن الحجج بعد بلوغ "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" كفار معذبون مخلدون في النار، ولا تلتفت إلى سقطات بعض المعاصرين في ذلك مهما كانت منزلتهم وفضلهم؛ فإن المسألة لا نزاع فيها) .
