وقفات مع حديث السحابة (6)
محمد سعيد الشحات • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن صاحبِ الحديقةِ: ( فإنِّي أنْظُرُ إلى ما يَخْرُجُ مِنْها، فأتَصَدَّقُ بثُلُثِهِ، وآكُلُ أنا وعِيالِي ثُلُثًا، وأَرُدُّ فيها ثُلُثَهُ )، وفي روايةِ الطَيَالِسِيِّ: ( فَإِنِّي أَجْعَلُهَا عَلَى ثَلاثَةِ أَثْلاثٍ ).
فيتَّضِحُ من ذلك: أنَّ هذا الرَّجُلُ يعرفُ لكلِّ ذي حقٍّ حَقَّهُ.
ويتَّضِحُ أيضًا: فضلُ الوسطيَّةِ والاعتدالِ، والتحذيرُ مِن المغالاةِ في جانب مِن الثلاثةِ على حسابِ الجوانب الأخرى.
وإليك أمثلة على ذلك:
1- المغالاةُ في جانب العمل والسعي في طلب الرِّزق على حساب الجوانب الأخرى: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ؛ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ ) (رواه البخاري) . فقوله: ( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ ) مجازٌ عن الحرصِ عليه، وتحمُّلِ الذِّلَّةِ مِن أجلِهِ، فمَن بالغَ في طلبِ شيءٍ وانصرفَ عملُهُ كلُّهُ إليه صارَ كالعابِدِ لهُ.
2- المغالاةُ في جانبِ الأهل والأولادِ على حسابِ الجوانبِ الأخرى: قال الله -تعالى-: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ . وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ) (المنافقون: 9-10) .
3- المغالاةُ في جانبِ العبادةِ على حسابِ الجوانبِ الأخرى: جاء في الصحيحين عن أنسٍ -رضي الله عنه- قال: جَاءَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيلَ أَبَدًا. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ( أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) (متفق عليه) .
ومِمَّا سَبقَ نجدُ أنَّ: خير الأمورِ الوسَط، كما قال -تعالى-: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) (البقرة: 143) ، وقالت عائشةُ -رضي الله عنها-: "مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا؛ فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ" (متفق عليه) .
وقال سَلمَانُ لأبي الدَّرْدَاءِ -كما في صحيح البخاري-: "إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ"، فَأَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( صَدَقَ سَلْمَانُ ) (رواه البخاري) .
وفي الختام نلحظ أمرًا مهمًّا، وهو: أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لم يذكر هذا الحديث (حديث السحابة) إلا مُنَبِّهًا لأمَّتِهِ على الاقتداءِ بهذا الرَّجُلِ صاحب الحديقة، وأبرزُ صفةٍ في شخصيتهِ هي: "الاستقامةُ على دينِ الله"؛ فهي التي كانت سببًا في حصولِ تلك الكرامةِ العظيمةِ التي دَلَّت على عُلُوِّ منزلةِ هذا الرَّجُلِ عند ربِّهِ -عز وجل-، ونحنُ كذلك مأمورون بهذه الاستقامةِ، بل إنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- مأمورٌ بها مَعَنا، قال -تعالى-: ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا ) (هود:112) .
وفي صحيح مُسلمٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي الإِسْلامِ قَوْلاً لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قَالَ: ( قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ ). وقال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -رضي الله عنه-: "الاسْتِقَامَةُ: أَنْ تَسْتَقِيمَ عَلَى الأَمْرِ وَالنَّهْيِ، ولا تَرُوغُ رَوَغَانَ الثَّعَالِبِ"، وقال شيخُ الإسلامِ ابن تيميَّةَ: "أعظَمُ الْكَرَامَةِ لُزُومُ الاسْتِقَامَةِ".
أسأل الله -تعالى- أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
