امتحانات المصير
عبد المعطي عبد الغني • التزكية
ليس امتحان المصير الذي يخاف الطالب من تقدير خطأ لإجابته، فيدعي أنه ظلم، وأن حقه قد هضم، وإنما امتحان المصير هو ذلك الامتحان الذي لا يظلم فيه المرء مثقال ذرة أو أصغر منها (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء:47) .
ليس امتحان المصير امتحاناً في اللياقة البدنية، يحدد قبول الطالب في كلية رياضية أو عسكرية، هل يجوز الحواجز أو يقفز في البحر أو غيره، وإنما امتحان المصير يوم ينصب الجسر على شفير جهنم، فينظر أيمر أو تتخطفه كلابيبها، فتهوي به في قعرها، وما من نبي إلا يقول: يا رب سلم، يا رب سلم.
وقبيل إعلان النتائج قلق وحيرة، أبالأيَمان تؤخذ الكتب، أم بالشمائل؟ (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ . إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ . فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ . فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ . قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ . وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ . وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ . يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ . مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ . هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) (الحاقة:19-29) .
فيا أحبتي:
إذا كنا نعد العدة لامتحانات المدارس والمعاهد والجامعات، فهل أعددنا العدة لامتحانات السكرات والزفرات والممات؟
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المنافقون:9) .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر:18) .
وإذا كنا نخاف من الامتحان قبل وقوعه، فأين خوفنا من الموت قبل حلوله، ومن القبر قبل نزوله؟!
وإذا كنا نخاف من الرسوب والفشل، فأين خوفنا من الخسران والزلل؟!
وإذا كنا قد سهرنا الليل من أجل النجاح، فأين قيام الليل ليوم الفلاح؟!
وإذا كنا قد حرصنا على مواعيد الدروس، فهل حرصنا على مواقيت الصلاة بالخصوص؟!
وإذا كنا قد حرصنا على إيقاظ أبنائنا وبناتنا من أجل المذاكرة، فهل أيقظناهم من أجل صلاة الفجر والهاجرة؟!
وإذا كنا قد حفظنا القوانين والمواد والشعر والنثر من أجل الدرجات، فكم حفظنا من كتاب الله لمحو السيئات؟!
وإذا كنا قد أقبلنا على الله أيام الامتحانات، فهل سنُعرض عنه إذا ظهرت الشهادات؟!
فنصير كمن:
صلى وصام لأمر كان يطلبه فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صام
اللهم وفق طلاب العلم لما تحبه وترضاه، واستعملهم في طاعتك، ونسألك لأنفسنا ولأبنائنا ولجميع المسلمين النجاح في امتحانات الدنيا والآخرة.
