شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (131) استغفار إبراهيم --صلى الله عليه وسلم-- لأبيه حال حياته وتبرؤه منه بعد أن مات على الكفر (6)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرَّحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة، الشاهد بعضها لبعض.

وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد. انتهى محل الغرض من كلام ابن كثير رحمه الله -تعالى-، وهو واضح جدًّا فيما ذكرنا.

الأمر الثاني: أن الجمع بين الأدلة واجب متى أمكن بلا خلاف؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول بالعذر والامتحان، فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أمر به عند ذلك الامتحان، ويتفق بذلك جميع الأدلة، والعلم عند الله -تعالى-".

وقد استدل -رحمه الله- في مواطن أخرى على مذهبه في والدي النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهما مِن أهل الفترة، فقال: " قلتُ ما قلتُ اعتمادًا على نصٍّ من كتاب الله قطعيِّ المتن وقطعيِّ الدلالة، وما كنت لأرد نصًّا قطعي المتن قطعي الدلالة بنص ظني النص وظني الدلالة عند الترجيح بينهما، فهذا الحديث خبر آحاد، ومثله حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم: "استأذنت ربي أنْ أزور أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي"، ولكن أخبار الآحاد ظنية المتن، فلا يردُّ بها نصٌّ قرآنيُّ قطعيُّ المتن، وهو قوله -تعالى-: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) أي: ولا مُثيبين.

( قلتُ: وهذا بلا شك منهج غير سديد، فالجمع بين الأدلة واجب وهي أدلة صحيحة متلقاة بالقبول، ولا يصح قوله: إن الآية قطعية الدلالة في أبوي النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهما مِن المشركين؛ وذلك لأن القول بأنه قد بلغتهم دعوة الرسل قول ثبت بالأدلة كما كان فيهم ورقة بن نوفل على النصرانية على التوحيد، وكان فيهم زيد بن عمرو بن نفيل؛ وَصَل إلى الحنيفية ومات عليها، ورآه النبي -صلى الله عليه وسلم- في هيئة حسنة. وقد عَلِم المشركون من قريش قبل النبي -صلى الله عليه وسلم- في عهد أبيه وأمه وجده بدعوة موسى وعيسى -صلى الله عليهما وسلم-؛ فقد وصلتهم دعوة التوحيد، والآية عامة، فتخصيص أناسٍ بأعيانهم أنهم لم تبلغهم دعوة الرسل ليس دليلًا قطعيًّا كما زعم).

قال: وهذا النصُّ قطعيُّ الدلالة لا يحتمل غير ما يدلُّ عليه لفظهُ بالمطابقة، بخلاف حديث: "إنَّ أبي وأباك في النَّار"؛ فإنه ظنيُّ الدلالة؛ يحتمل أنَّه يعني بقوله: "إنَّ أبي" عمَّهُ أبا طالب؛ لأنَّ العرب تسمي العمَّ: أبًا، وجاء بذلك الاستعمالِ كتابُ اللهِ العزيز في موضعين: أحدهما: قطعيُّ المتن قطعيُّ قطعيُّ الدلالة، وهو قوله -تعالى- في البقرة: ( قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ )، وإسماعيل عمُّهُ قطعًا؛ فهو يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم.

والموضع الثَّاني: قطعيُّ المتن، لكنَّه ظنيّ الدلالة، وهو قوله -تعالى-: ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ ) إلى أن قال: ( وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ) فهو نصٌّ قرآني على أن إبراهيم يطلق عليه أنَّه أبٌ لِلُوط، وهو عمُّه على ما وردت به الأخبار؛ إلا أنَّ هذا النص ظني الدلالة؛ لأنه يحتمل أن يكون الضمير من قوله -تعالى-: ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ ) يرجع إلى نوح، لأنه قال في الآية من قبل ذلك: ( وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ )، ولكنه احتمال مرجوح؛ لأن الكلام عن إبراهيم.

( قلتُ: وهذا تأويل على خلاف ظاهر السنة لا دليل عليه؛ لأن الأب إذا أُطْلِق ولا قرينة على أنه أراد العم؛ فلا بد أن يحمل على الأب الوالد، وليس العم).

وإذًا فإنَّه يحتمل أنَّه -صلى الله عليه وسلم- لما سأله الأعرابي بقوله: أين أبي؟ وقال له: إنَّ أباكَ في النَّار، وولَّى والحزن بادٍ عليه، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "ردُّوه"، فلما رجع قال له: "إن أبي وأباك في النَّار"؛ يحتمل أنَّه يعني بأبيه: أبا طالب؛ لأنَّ العرب تسمِّي العَمَّ أبًا لا سيما إذا انضمَّ إلى العُمومةِ التربيةُ، والعطفُ، والدفاعُ عنه.

ثم قال: والتَّحقيق في أبوي رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- أنهما من أهل الفترة؛ لأن تعريف أهل الفترة أنهم القوم الذين لم يُدركوا النذارة قبلهم، ولم تدركهم الرّسالة التي من بعدهم، فإذا كان ذلك كذلك، فإنَّ والد النبي -صلى الله عليه وسلم- التحقيقُ أنَّه مات والنبي -بأبي وأمي هو- حَملٌ في بطن أمه، وأمُّه -صلى الله عليه وسلم- ماتت وهو ابن ستة أعوام بلا خلاف، وإذًا فإنهما مِن أهل الفترة.

( قلتُ: وهذا النفي في أنهما لم تبلغهما النذارة قبلهم نفي بلا دليل، بل قد دَلَّت الأدلة التي ذكرنا على علم المشركين بالحنيفية؛ فلذلك لا يصح هذا الادِّعاء، فالصحيح ما ذكرنا من أنهما في النار، مع أن المسألة فيها اجتهاد لنوع تأويلٍ في الأدلة التي ظاهرها التعارض، وغفر الله للجميع) .

الصفحة السابقة