الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (135) بشرى الملائكة لإبراهيم بإسحاق -صلى الله عليهما وسلم- وبهلاك قوم لوط وجداله فيه (2)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الثالثة: اختلف العلماء فيمَن يخاطب بها، فذهب الشافعي ومحمد بن عبد الحكم إلى أن المخاطب بها أهل الحضر والبادية. وقال مالك: ليس على أهل الحضر ضيافة. قال سحنون: إنما الضيافة على أهل القرى، وأما الحضر، فالفندق ينزل فيه المسافر.
واحتجوا بحديث ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر. وهذا حديث لا يصح، وإبراهيم ابن أخي عبد الرزاق متروك الحديث منسوب إلى الكذب، وهذا مما انفرد به، ونسب إلى وضعه؛ قاله أبو عمر بن عبد البر.
قال ابن العربي: الضيافة حقيقة فرض على الكفاية، ومِن الناس مَن قال: إنها واجبة في القرى حيث لا طعام ولا مأوى، بخلاف الحواضر فإنها مشحونة بالمأواة والأقوات، ولا شك أن الضيف كريم، والضيافة كرامة، فإن كان غريبًا فهي فريضة.
الرابعة: قال ابن العربي قال بعض علمائنا: كانت ضيافة إبراهيم قليلة فشكرها الحبيب من الحبيب، وهذا حكم بالظن في موضع القطع، وبالقياس في موضع النقل؛ مِن أين علم أنه قليل؟! بل قد نَقَل المفسرون أن الملائكة كانوا ثلاثة: جبريل وميكائيل وإسرافيل -صلى الله عليهم وسلم-، وعِجْل لثلاثة عظيم؛ فما هذا التفسير لكتاب الله بالرأي؟! هذا بأمانة الله هو التفسير المذموم، فاجتنبوه فقد علمتموه.
الخامسة: السُّنة إذا قُدِّم للضيف الطعام، أن يبادر المقدَّم إليه بالأكل فإن كرامة الضيف تعجيل التقديم، وكرامة صاحب المنزل المبادرة بالقبول، فلما قبضوا أيديهم نكرهم إبراهيم؛ لأنهم خرجوا عن العادة وخالفوا السنة، وخاف أن يكون من ورائهم مكروه يقصدونه.
وروي أنهم كانوا ينكتون بقداح كانت في أيديهم في اللحم ولا تصل أيديهم إلى اللحم، فلما رأى ذلك منهم نكرهم، وأوجس منهم خيفة، أي: أضمر. وقيل: أحس. والوجوس الدخول.
قال الشاعر:
جَـاءَ الْـبَـرِيدُ بِـقـِرْطَاسٍ يَـخُـبُّ بِهِ فَأَوْجَسَ الْقَلْبُ مِنْ قِرْطَاسِهِ جَزَعًا
خيفة: خوفًا، أي: فزعًا.
وكانوا إذا رأوا الضيف لا يأكل ظنوا به شرًّا، فقالت الملائكة: لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط.
السادسة: من أدب الطعام أن لصاحب الضيف أن ينظر في ضيفه: هل يأكل أم لا؟ وذلك ينبغي أن يكون بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر؛ روي أن أعرابيًّا أكل مع سليمان بن عبد الملك، فرأى سليمان في لقمة الأعرابي شعرة، فقال له: أزل الشعرة عن لقمتك؟ فقال له: أتنظر إليَّ نظر مَن يرى الشعرة في لقمتي؟! والله لا أكلتُ معك! قلتُ: وقد ذُكِر أن هذه الحكاية إنما كانت مع هشام بن عبد الملك لا مع سليمان، وأن الأعرابي خرج من عنده، وهو يقول:
وللمـوت خيـر من زيارة باخـل يُلَاحِظ أطراف الأكيل على عمد
السابعة: قوله -تعالى-: ( فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ ) يقول: أنكرهم، تقول: نكرتك وأنكرتك واستنكرتك، إذا وجدته على غير ما عهدته.
قال الشاعر:
وَأَنْـكـَرَتْنِي وَمَا كَانَ الَّذِي نَكـِرَتْ مِنَ الْحَوَادِثِ إِلَّا الشَّيْبَ وَالصَّلَعَا
فجمع بين اللغتين. ويقال: نكرت لما تراه بعينك. وأنكرت لما تراه بقلبك.
الثامنة: قوله -تعالى-: ( وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ ) ابتداء وخبر، أي: قائمة بحيث ترى الملائكة. قيل: كانت من وراء الستر. وقيل: كانت تخدم الملائكة وهو جالس.
وقال محمد بن إسحاق: قائمة تصلي. وفي قراءة عبد الله بن مسعود: "وامرأته قائمة وهو قاعد" ( قلتُ: وهذه قراءة تفسيرية).
التاسعة: قوله -تعالى-: ( فَضَحِكَتْ ) قال مجاهد وعكرمة: حاضت، وكانت آيسة تحقيقًا للبشارة. وقال مقاتل: ضحكت من خوف إبراهيم، ورعدته من ثلاثة نفر، وإبراهيم في حشمه وخدمه، وكان إبراهيم يقوم وحده بمائة رجل. قال: وليس الضحك الحيض في اللغة بمستقيم.
وأنكر أبو عبيد والفراء ذلك؛ قال الفراء: لم أسمعه من ثقة، وإنما هو كناية. ويقال: قائمة لروع إبراهيم فضحكت لقولهم: ( لَا تَخَفْ ) سرورًا بالأمن. ( قلتُ: وهذا من أقرب الأقوال).
وقال النحاس: فيه أقوال: أحسنها أنهم لما لم يأكلوا أنكرهم وخافهم، فلما قالوا: ( لَا تَخَفْ )، وأخبروه أنهم رسل الله؛ فرح بذلك، فضحكت امرأتُه سرورًا بفرحه" (انتهى من تفسير القرطبي) .
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
