شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الكبائر (34) قذف المحصنات (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة التي ضَمِن الله لمَن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال -تعالى- : ( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ) (النساء: 31) .

- قَذْفُ المُحْصَنَاتِ من أكبر الكبائر، وأعظم الجرائم؛ لما له من أثر سيئ على مجتمعات المسلمين: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ )، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، وما هُنَّ؟ قالَ: ( الشِّرْكُ باللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بالحَقِّ، وأَكْلُ الرِّبا، وأَكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَومَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ الغافِلاتِ ) (متفق عليه) .

- المقصود بقذف المحصنات الغافلات: القذف الرمي البعيد، استعير للشتم والعيب والبهتان كما استعير للرمي، والمحصنات جمع محصنة، بفتح الصاد، اسم مفعول، أي: التي أحصنها الله -تعالى- وحفظها من الزنا، وبكسرها، اسم فاعل أي: التي حفظت فرجها من الزنا. والغافلات: كناية عن البريئات؛ لأن البريء غافل عما بهت به من الزنا. (عمدة القاري) .

وقال الذهبي -رحمه الله-: "والقذف أن يقول لامرأة أجنبية حرة عفيفة مسلمة: يا زانية، أو يا باغية. أو يقول لزوجها: يا زوج الزانية... وما إلى ذلك من عبارات" (الكبائر للذهبي) .

- الإشارة إلى استهانة كثير من الناس بالقذف بكل أشكاله وألوانه وتنوع ألفاظه، مما امتلأت به حياة الناس عند التعاملات والاختلافات، بل عند التمازح، بل في وسائل الإعلام وسائل الاتصالات الحديثة، وغير ذلك.

(1) خطورة قذف المحصنات:

- قَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ يتسبب في فساد المجتمع وشيوع الفاحشة: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ? وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (النور: 19) .

- قَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ يوجب الطرد من رحمة الله: قال الله -تعالى- : ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) (النور: 23-25) .

- قَذْفُ الْمُحْصَنَةِ أَقْبَحُ مِنَ الرِّبَا وَمِنَ الزِّنَا: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ( الرِّبَا ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا، أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، ‌وَإِنَّ ‌أَرْبَى ‌الرِّبَا ‌عِرْضُ ‌الرَّجُلِ ‌الْمُسْلِمِ ) (رواه ابن ماجه والحاكم واللفظ له، وصححه الألباني) .

- قَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ يصل في بعض الأحيان إلى الكفر بالله -تعالى-: الشيعة الرافضة -المنتسبين إلى الإسلام زورًا وبهتانًا-، يحملهم الحقد وعداوة هذا الدِّين على رمي أمِّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- بالفاحشة، وهذا كفر؛ لأنه تكذيب لصريح القرآن: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (النور: 23) .

وقال ابن كثير -رحمه الله-: "فَأُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ أَوْلَى بِالدُّخُولِ فِي هَذَا مِنْ كُلِّ مُحَصَّنَةٍ، وَلَا سِيَّمَا الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ النُّزُولِ، وَهِيَ عَائِشَةُ بِنْتُ الصَّدِّيقِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّها بَعْدَ هَذَا وَرَمَاهَا بِمَا رَمَاهَا بِهِ بَعْدَ هذا الَّذِي ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ مُعَانِدٌ لِلْقُرْآنِ" (تفسير ابن كثير) ، وسيأتي حديث رمي المنافقين للصِّدِّيقة -رضي الله عنها-.

- ترتب العقوبة الشرعية على القاذف في الدنيا؛ إذا لم يأتِ بأربعة شهداء فإنه يجلد ثمانين جلدة، وترد شهادته أبدًا، ويصبح فاسقًا عند الله وعند الناس: قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (النور: 4) .

(2) وقفة مهمة حول ضوابط ثبوت الزنا:

- صعوبة تحقق ذلك في الواقع (إحضار أربع شهود متفقين من غير اختلاف)، لا تبيح للقاذف القذف لغيره: فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ )، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهُوَ سَيِّدُ الأَنْصَارِ: أَهَكَذَا أُنْزِلَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلا تَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ؟ ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ، وَاللَّهِ مَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً قَطُّ إِلا بِكْرًا، وَمَا طَلَّقَ امْرَأَةً قَطُّ، فَاجْتَرَأَ رَجُلٌ مِنَّا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْ شِدَّةِ غَيْرَتِهِ؟ فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّهَا حَقٌّ، وَأَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَكِنْ قَدْ تَعَجَّبْتُ أَنْ لَوْ وَجَدْتُ لَكَاعًا قَدْ تَفَخَّذَهَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أُهِيجَهُ وَلا أُحَرِّكَهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ! فَوَاللَّهِ إِنِّي لا آتِي بِهِمْ حَتَّى يَقْضِي حَاجَتَهُ!

الصفحة التالية