شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تأملات في مسألة القدس (1) (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة

ولذلك لم يحصل له ما أرادوا، بل لما زادوا في الطغيان وقالوا لموسى: ( إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) (المائدة: 24) ، قال موسى -عليه السلام-: ( رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) (المائدة: 25-26) ، وتاه بنو إسرائيل أربعين سنة ومات هارون -عليه السلام-، ومات موسى -عليه السلام- في فترة التيه، وهم أنبياء الله -عز وجل- وأصفياؤه من خلقه في ذلك الزمان، بل على مرِّ الزمان، فموسى -عليه السلام- في المنزلة بعد محمد وإبراهيم -عليهما السلام-، ومع ذلك لم يدخل الأرض المقدسة، ولم تتكون له الدولة؛ لماذا؟! لأن الأفراد مهما بلغوا في المنزلة عند الله لا يكون ذلك سببًا لتمكين أمتهم؛ لأن التمكين لجماعة أو لطائفه وأمة، وليس للأفراد.

فماذا يصنع موسى -عليه السلام- لو أن قومًا بهذه الصفات تملكوا الناس، وتملكوا الأرض، وصار لهم من المال والسلطة ما يزدادون به فسادًا؛ فلذلك كان ما طلبه موسى -عليه السلام- من ربه أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين، وقد وقع له ما أراد، ومات موسى -عليه السلام-، ولم يكن ذلك نقصًا في منزلته عند الله -تعالى-، بل كان في منزلة عالية، قال -تعالى-: ( ‌وَكَانَ ‌عِنْدَ ‌اللَّهِ ‌وَجِيهًا ) (الأحزاب: 69) .

ومات هذا الجيل من بني إسرائيل في فترة التيه، وانشغل موسى -عليه السلام- خلال هذه المرحلة بالتربية والإعداد، قال -تعالى-: ( ‌وَاخْتَارَ ‌مُوسَى ‌قَوْمَهُ ‌سَبْعِينَ ‌رَجُلًا ‌لِمِيقَاتِنَا ) (الأعراف: 155) ، وكان ذلك دلالة على الاهتمام الجديد الذي اهتم به موسى -عليه السلام- في الإعداد الخاص لمن سيكونون قادة المستقبل.

وهذا الوعي الذي لابد أن تدركه الأمة؛ فإنه لن يكون القادة الصالحون بمجرد الأماني، بل لابد من الإعداد؛ وكان من ضمن هذا الإعداد صحبته لفتاه يوشع بن نون -عليه السلام-، وهو نبي الله لبني إسرائيل بعد موسى وهارون -عليهما السلام- بعد فترة التيه، ومات هذا الجيل، ونشأ جيل جديد قد عاش في الصحراء بعيدًا عن ذُلِّ الفراعنة الذي أدَّى ببني إسرائيل لهزيمة النفس، وذل الإرادة والقصد، والكسل والعجل، والامتناع من الطاعة وسوء الأدب مع الله -تعالى-، فتعودوا أن كلَّ شيء يتم من خلال أمور سماوية وقدرة إلهية دون عمل منهم، وخاب ظنهم في ذلك؛ فإن الله لا يمكن للأمم إلا بعمل منهم.

خرج يوشع بن نون -عليه السلام- ببني إسرائيل بعد فترة التيه، وبعد أن كانوا لا يستطيعون الاجتماع ويسيرون في مدى بسيط بصحراء سيناء؛ هداهم الله للاجتماع وائتلفت الكلمة، واجتمعت الجند، وأ مِر يوشع بن نون الذي صار نبيًّا بعد أن صاحبه موسى وعلَّمه وأدَّبه وسافر معه، وكان مع ذلك يعلمه كيفية القيادة كما يعلمه العقيدة والأخلاق والعبادة، فاصطفاه الله لنبوته وقيادته للأمة؛ فجنَّد جنود بني إسرائيل؛ لأن الأمر مع التوكل لابد فيه من أخذ بالأسباب، وقاتل ليدخل بيت المقدس، وأوشكت الشمس يوم الجمعة على الغروب ولم تفتح البلد، وهو ملتزم بالشريعة في كلِّ تفاصيل عمله وعمل جماعته وجيشه؛ وذلك أنهم كانوا مُنِعوا من العمل ليلة ويوم السبت، وأن يتفرَّغوا للعبادة، فنظر للشمس ودعا الله، وقال لها: "إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا"، فحبس الله الشمس وطالت المدة، واستمر القتال حتى فتح بيت المقدس قبل أن تغرب الشمس.

وجمع الغنائم وكانت في شرعهم لا تقسَّم؛ ليتخلصوا من عبودية المال التي أكلتْ قلوب فريق واسع منهم، وكانت تأتي نارٌ من السماء تأكل الغنائم علامة على قبول جهادهم وقبول عملهم، فوضعوا الغنائم، فجاءت النار فاقتربت منها، لكنها أبت أن تطعم الغنائم، فقال نبيهم: ( ‌فِيكُمْ ‌غُلُولٌ، ‌فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَبَايَعُوهُ فَلَصِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ، فَبَايَعَتْهُ، قَالَ: فَلَصِقَتْ بِيَدِ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، أَنْتُمْ غَلَلْتُمْ، قَالَ: فَأَخْرَجُوا لَهُ مِثْلَ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَوَضَعُوهُ فِي الْمَالِ وَهُوَ بِالصَّعِيدِ، فَأَقْبَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهُ ) (رواه مسلم) .

ثم تكونت المملكة الأولى لبني إسرائيل في أرض فلسطين في عهد يوشع بن نون على التوحيد والإيمان والطاعة، فميراث الأرض لا يكون بمجرد النَّسَب، ولا بمجرد أننا وجدنا آباءنا على هذه الأرض، وإنما يكون بالعمل الصالح.

ثم بدَّل بنو إسرائيل بعد يوشع بن نون، وكانت تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي أرسل الله نبيًّا بعده، ثم زاد طغيانهم؛ فعبدوا الأوثان وابتدعوا في دين الله -تعالى-، وارتكبوا المنكرات وعتوا عتوًّا كبيرًا، ووصل الحال بهم كما وصف الله -عز وجل-: ( ‌وَضُرِبَتْ ‌عَلَيْهِمُ ‌الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) (البقرة: 61) ، وقال: ( ‌أَفَكُلَّمَا ‌جَاءَكُمْ ‌رَسُولٌ ‌بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ) (البقرة: 87) ، فكانت أحوالهم في الكفر والعلو معًا.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة