فضل الشهادة في سبيل الله (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- لما علم الصالحون منزلة الشهادة وقدر الشهداء عند الله، سارعوا في طلب الشهادة والفوز بها، وفي صحيح الأخبار لهؤلاء الأخيار، ما لا يحدُّه حد، ولا يستوعبه بيان، ومن هؤلاء:
- عمرو بن الجموح -رضي الله عنه-: كان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج، وكان كبير السن، وكان له أربعة بنين شباب يغزون مع رسول الله إذا غزا، فلما أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-أن يتوجه إلى أُحد، أرادَ أن يَتَوجَّهَ معه، فقال له بنوه: "إن الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدت ونحن نكفيك، فقد وضع الله عنك الجهاد"، فأتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله فقال: "يا رسول الله، إن بَنِيَّ هؤلاء يمنعون أن أخرج معك، والله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة"، فقال له رسول الله : -صلى الله عليه وسلم-: (أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ وَضَعَ اللَّهُ عَنْكَ الْجَهَادَ"، وقال لبنيه : "وَمَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَدَعُوهُ؛ لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَرْزُقَهُ الشَّهَادَةَ"، فخرج مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقُتل يوم أُحد شهيدًا . وفي رواية: "أنه جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ قُتِلَ الْيَوْمَ دَخَلَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ : "نَعَمْ"، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أرجعُ إِلَى أَهْلِي حَتَّى أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا عَمْرُو! لَا تَألَّ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : -صلى الله عليه وسلم-: "مَهْلًا يَا عُمَرُ! فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبرَّه، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ يَخُوضُ فِي الجنة بعرجته" (رواه ابن حبان وغيره) .
- وهذا أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ -رضي الله عنه-، تَغَيَّبَ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ وَقَالَ: تَغَيَّبْتُ عَنْ أَوَّلِ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ النَّبِيُّ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَرَانِي اللَّهُ قِتَالًا لَيَرَيَنَّ مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين-، ثم تقدم، واستقبله سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنةَ! فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ، قَالَ: فَحَمَلَ فَقَاتَلَ فقُتِلَ، فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَطَقْتُ ما أطاق، فقالت أخته: والله ما عرَفتُ أَخِي إِلَّا بِحُسْنِ بَنَانِهِ، فَوُجِدَ فِيهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ جِرَاحَةً ضَرْبَةُ سَيْفٍ وَرَمْيَةُ سَهْمٍ وَطَعْنَةُ رُمْحٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) (الأحزاب: 23) (متفق عليه) .
- سعد بن خيثمة -رضي الله عنه-، لما كان يوم بدر، اقترع مع أبيه للخروج، ليبقى الآخر مع النساء والعيال، فخرجت القرعة لسعد، فقال خيثمة: يا بني آثرني بالخروج، فقال سعد: "يا أبتاه!، والله ما تطمع نفسي في هذه الدنيا بشيء دونك، لكنها الجنة يا أبتاه، والله لو كان غير الجنة لآثرتك به"، وانطلق يجاهد في سبيل الله، وفى اليوم التالي جاء الخبر إلى خيثمة، قالوا: لقد قُتِل ولدك، ونحتسبه شهيدًا عند الله -جل وعلا-، فما كان منه إلا أن قال: "أواه أواه، والله لقد فاز بها دوني، والله لقد كان أعقل مني، لقد رأيته البارحة يسرح ويمرح في أنهار الجنة وثمارها وأزهارها، ويقول: يا أبتاه! الْحَقْ بنا، فإنَّا قد وجدنا ما وعَدَنا ربُّنا حقًّا" .
خاتمة: ضرورة إحياء روح حب الموت في سبيل الله في الأمة:
- حب الموت في سبيل الله علامة على الإيمان، والعكس علامة على النفاق: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : ( مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِهِ؛ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ ) (رواه مسلم) . وهذا سَيْفُ اللَّهِ الْمَسْلُولُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، يقولُ وَهُوَ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ: "لَقَدْ شَهِدْتُ كَذَا وَكَذَا مَوْقِفًا وَمَا مِنْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِي إِلَّا وَفِيهِ رَمْيَةٌ أَوْ طَعْنَةٌ أَوْ ضَرْبَةٌ، وَهَا أَنَا ذَا أَمُوتُ عَلَى فِرَاشِي كَمَا يَمُوتُ الْعِيرُ! فَلَا نَامَتْ أَعْيُنُ الْجُبَنَاءِ" .
- ما نراه في هذه الأزمان من تسلط الأعداء، وتكالب أمم الكفر من كل مكان واتحادهم ضد المسلمين، إنما هو بسبب التعلق بالدنيا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- -: ( يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا )، فقال قائل: أَوِ من قلة نحن يومئذٍ؟ قال : ( بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ )، فقال قائل: يا رسول اللَّه وما الوهن؟ قال : ( حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
- أيها المرابطون على ثغور الموت في غزة... أنتم تعلِّمون الدنيا حب الموت في سبيل الله، ونرجو الله أن يجعلكم ممَّن قال فيهم نبيه -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يأتي أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ ) (رواه مسلم) .
اللهم انصر المسلمين في فلسطين وسائر الأرض، وارزقنا شهادة في سبيلك.
