شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تأملات في مسألة القدس (2) (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • السيرة والتاريخ

فنقول: كما كان بنو إسرائيل تحت حكم بختنصر، ثم بعد ذلك جعل الله لهم الكرة وأمدهم بالأموال والبنين وجعلهم أكثر نفيرًا فلا تظن أن الأمور من الأرض، ولا تظن أن قوة الأمم وضعفها بيد أصحاب المال والسلطة فقط؛ إن هذا مجرد ابتلاء، والله هو الذي بيده الأمر كله، فنواصي الخلق بيده نعوذ بالله من الشرك والضلال ثم بيَّن الله لنا القاعدة المستمرة في ذلك فقال: ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا )، فبالإحسان يمدنا الله بالأموال والبنين، ويجعلنا أكثر نفيرًا.

أترون عباد الله قلوب العباد كيف يقلِّبها الله؟ تجد هذا الشخص قد التزم وأطاع الله -تعالى-، ثم إذا به ينقلب، ثم إذا به تحترق جنته لما أصابها من عند الله بسبب عمله، قال -تعالى-: ( ‌أَيَوَدُّ ‌أَحَدُكُمْ ‌أَنْ ‌تَكُونَ ‌لَهُ ‌جَنَّةٌ ‌مِنْ ‌نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ) (البقرة: 266) ، قد حبط العمل وذهب، وأحيانًا يظل الإنسان على الطاعة والإيمان إلى أن يموت ثم يخرج مِن صلبه مَن يكون فاسدًا، يضحى إنسان بكل شيء في شبابه وشيخوخته، ثم يأتي بعد ذلك مِن نسله مَن يكون متبعًا للشهوات مفسدًا فاجرًا، سبحان الله!

ثم تجد مِن نسل الكفار مَن يكون داعيًا إلى الله مهتديًا تمام الاهتداء، وتجد موجة من التدين تعم الشباب والشيوخ، والرجال والنساء، ثم تجد موجة أخرى من البُعد عن الدِّين وانتشار الشركيات، وانتشار الفساد، والبدع والضلالات، والإفتاء ما يخالف دين الله -عز وجل-، وانتشار التبرج، وأكل الربا، وأكل السحت والرشوة، وأكل الحرام، ثم تأتي بعد ذلك أوقات أخرى؛ فالأمر بيد الله، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا ‌بَيْنَ ‌إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ )، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ ) (رواه مسلم) .

فهذه هي القاعدة حتى نحسن ولا نسيئ؛ لأن الإساءة علينا، وهي التي تجلب لنا الخزي والهوان، وتجلب ضرب الذلة والمسكنة علينا، نعوذ بالله من المذلة والمسكنة، والعيلة، وهذه الأمور هي أسباب النصر وأسباب الهزيمة.

( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ).

عاد بنو إسرائيل للإفساد، وقتل أنبياء الله، وتسببوا في قتل يحيى بن زكريا -عليهما السلام-، وحاولوا قتل عيسى -عليه السلام- وصلبه، ( وَمَا ‌قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ‌وَمَا ‌قَتَلُوهُ يَقِينًا ) (النساء: 157) ، فسَلَّط الله عليهم بسبب ذلك الرومان؛ فقهروهم أشد القهر، وسَلَّط الله عليهم مَن دَمَّر المسجد تدميرًا، ولم يقم بعد ذلك إلا في عهد أهل الإسلام لما فتح المسلمون القدس، وبنى عمر -رضي الله عنه- المسجد الأقصى -بحمد لله تعالى-، كما بَشَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما قال: ( ‌اعْدُدْ ‌سِتًّا ‌بَيْنَ ‌يَدَيِ ‌السَّاعَةِ: مَوْتِي ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ... ) (رواه البخاري) ، فكانت بشارة لهم بأن فتح بيت المقدس يكون على أيدي خلفائه الراشدين -رضي الله عنهم-.

ثم عاد المسلمون إلى معصية الله -تعالى-، فَأُخِذ منهم المسجد الأقصى، قال -تعالى-: ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ )، فإذا جاء وعد المرة الآخرة والعقوبة على آخر الإفسادين، ليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، أي: هادمين له، مزيلين لهذه البلدة، ( لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) أي: ليدمروا كلَّ ما ظهروا عليه، وقد كان ذلك في عهد الرومان.

وكل ذلك عظة لنا؛ لننظر الواجب علينا في توحيدنا وعباداتنا التزامنا؟!

لا يظنن أحدٌ أن نشر البدع والفساد يمكن أن يكون فيه استقرار المجتمعات والأمم؛ إن نشر البدع والضلالات يعقبه نشر الشر والفساد، واللجوء لغير الله، والتحاكم لغير شرعه، ويعقبه موالاة الكفار، وأن يكونوا أعوانًا لهم على هدم دينهم وبلادهم، ويكون من أسباب الفساد ما لا يعلمون.

إنا إذا أردنا العزة والكرامة والقُرب من الله -تعالى-؛ فلن يكون لنا ذلك إلا بالالتزام بدين الله -عز وجل- وشريعته، واتباع سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-؛ قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "إنا كنا أذل أمة فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله".

الصفحة السابقة