شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

لماذا ندعو إلى ترك التطبيع؟ (1)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

فنحن لا نرى في وراثة موسى ومَن معه من المؤمنين المسلمين لأرض مصر احتلالًا إسرائيليًّا، بل فتحًا إسلاميًّا، قال -تعالى- عن قوم فرعون: ( ‌فَأَخْرَجْنَاهُمْ ‌مِنْ ‌جَنَّاتٍ ‌وَعُيُونٍ . وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ) (الشعراء: 57-58) .

فلما زال إيمان بني إسرائيل وإسلامهم بالكفر زال استحقاقهم، وكذلك في أرض فلسطين، فإنهم لم يستحقوها لمجرد أنهم أبناء يعقوب -إسرائيل عليه السلام-، بل لكونهم مسلمين مؤمنين، قال -تعالى-: ( ‌وَقَالَ ‌مُوسَى ‌يَا قَوْمِ ‌إِنْ ‌كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ) (يونس: 84) .

ومن نفس المنطلق استحق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون معه أرض يهود المدينة وديارهم وأموالهم، قال -تعالى-: ( ‌وَأَوْرَثَكُمْ ‌أَرْضَهُمْ ‌وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا ) (الأحزاب: 27) ، فلم يستحقوها بوصفهم عربًا، بل بوصفهم من المسلمين، نصرهم الله على كفار بني إسرائيل.

وإذا كانت "كامب ديفيد" لم تغيِّر عقيدة يهود في استحقاقهم الأرض من الفرات إلى النيل، ولا تزال خريطة إسرائيل على باب الكنيست كذلك بعد المعاهدة، ولم تغير إسرائيل عَلَمَها "نجمة داود بين خطين أزرقين رمزًا لملك إسرائيل بين النهرين"؛ فلماذا يريدون منا أن نغيِّرَ عقيدتنا في استحقاق أرض الإسلام لأرض فلسطين؟ ولماذا يشترطون علينا أن ننقل للأجيال القادمة قتل الرجاء المنشود -بل اليقين الموعود، فالله لا يخلف الميعاد-؟!

ليس مِن حق أحدٍ أن يطلب منا ذلك، وإن كنا نعرف الفرق جيدًا بين المطلوب المرجو وبين الممكن المتاح، وهذا الذي تبحث فيه السياسة، وهو الذي يقدَّر بالمصلحة والمفسدة، والقدرة والعجز، فلا يمكن أن نغفل الموازين عن الأرض؛ لأننا أمرنا بذلك شرعًا: ( ‌فَإِنْ ‌يَكُنْ ‌مِنْكُمْ ‌مِائَةٌ ‌صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (الأنفال: 66) ، ولكن يجب كذلك ألا نسمح بتغيير عقيدتنا وثوابتنا التي يجب أن تنقل للأجيال القادمة واضحة كالشمس، بخلاف ما يريده الأعداء من طمس التاريخ وقتل الرجاء في المستقبل، ولن يكون أبدًا. ولا نسمح بأن تغير السياسة العقيدة، ولا نسمح للنسبي أن يغير المطلق، ولا نرضى بأن يمحو المتغير الثوابت، ( ‌وَلَتَعْلَمُنَّ ‌نَبَأَهُ ‌بَعْدَ ‌حِينٍ ) (ص: 88) .

2- فلسطين قضية كل المسلمين:

س: هل فلسطين قضية الفلسطينيين وليس المسلمين؟

الإجابة: فلسطين ليست قضية الفلسطينيين، هذا ترسيخ لهذه المسألة؛ لأن قضية فلسطين قضية المسلمين، نحن مسلمون قبل أن نكون مصريين، نحن قضيتنا أننا ننتمي إلى الإسلام أعظم من انتمائنا إلى مصر، فلذلك قضيتنا هي أفغانستان، والعراق، والشيشان، والصومال، وفلسطين كذلك، كلها قضايانا؛ لأن المسلمين جسد واحد، وهذا بنص الحديث: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ ‌بِالسَّهَرِ ‌وَالْحُمَّى ) (متفق عليه) ، فأين نحن من هذه القضية أم أنه ليس لنا أي علاقة بها؟! مَن يقول هذا يقطع نفسه، يقتل نفسه، ويقتل إيمانه!

3- رفض كل صور التطبيع (مقال: لماذا نرفض التطبيع؟):

يعلم الجميع رفضنا لكلِّ صور التطبيع مع الكيان الصهيوني، وقد يسأل البعض عن مستند ذلك، فنقول: قال الله -تعالى-: ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ) (المائدة:82) ، وقال -تعالى-: ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (المائدة:13) .

فلسطين أرض إسلامية فتحها المسلمون في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ولا يمكن لأحدٍ أن يغيِّر صفتها، والمسجد الأقصى: أولى القبلتين، وثالث الحرمين؛ بناه على التوحيد والإسلام إبراهيم أو إسحاق أو يعقوب -عليهم السلام- بعد بناء المسجد الحرام بأربعين عامًا؛ فهو مسجد المسلمين في كل زمان: ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (آل عمران:67) .

وقد صالح النبي -صلى الله عليه وسلم- يهودَ المدينة صلحًا مطلقًا حقق به مصالح المسلمين في مجتمع المدينة، وكان اليهود هم مَن نقضوا العهد؛ فلا يُمنع مِن صلحٍ يحقق المصلحة ويحافِظ على أرض الإسلام؛ وليس صلحًا يترتب عليه نسيان الأجيال القادمة عقيدتَها وهويتها، ومعرفتها بأوليائها وأعدائها باسم: "التطبيع الثقافي"، ولا تسترد شيئًا مِن الأرض، بل يُكتفَى بوعدٍ بإيقاف مؤقت لضم الأراضي التي "لا يستحقونها" حتى حسب قرارات الأمم المتحدة.

وهو يطلب في مقابل هذا: أن نكف عن تعلم ما نبأنا الله مِن أخبارهم أو نعلمه لأبنائنا، وأن نمكِّن عقولهم للعدو يملأها استكانة وانهزامية، في حين يربون هم أبناءهم على أن يعيشوا حياتهم من أجل حلم إقامة دولتهم الكبرى، نسأل الله ألا يمكِّنهم من ذلك قيد أنملة.

ومِن هذا المنطلق، كان موقفنا الثابت برفض كل صور التطبيع.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة