شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الطريق إلى المسجد الأقصى (3) طريق نبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- كان أهل إيلياء اشترطوا أن يقدم الخليفة عمرُ -رضي الله عنه- من المدينة ليباشرَ الصلح بنفسه؛ لما علموا من سيرته وعدله.

- خرج الفاروق وسار إلى حيثُ مدينة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وكتب إلى أُمَراء الأجناد أن يستخلفوا على أعمالهم ويوافوه بالجابية، وفي رواية أخرى: إنه وافاهم عند بيت المقدس.

- فلما بلغ الجابية من أعمال الشام نزل بها، وصالح عمرُ أهل الجابية ثم سار وقادته إلى بيت المقدس، وكان -رضي الله عنه- في غايةِ التواضع والاستكانة والذلَّة لله رب العالمين، قال أبو الغادية المزني: "قدم علينا عمرُ الجابية، وهو على جمل أورق، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه عمامةٌ ولا قلنسوة، بين عُودَيْن، وطَاؤه فرو كبْش نجدي، وهو فراشه إذا نزل، وحقيبتُه شملةٌ أو نَمِرةٌ مَحْشوةٌ ليفًا، وهي وسادته، عليه قميص قدِ انخرق بعضه، ودَسَم جيبُه" (تاريخ الإسلام) .

- حاول أمراءُ الجيش أن يُحسِّنوا من هيئته المتواضعة أمام الأعداء: قال له أبو عبيدة -رضي الله عنه-: "يا أمير المؤمنين، لو ألقيت عنك هذا الصوف، ولبست البياض من الثياب؛ لكان أهيبَ لك في قلوب هؤلاء الكفار. فقال -رضي الله عنه-: لا أحب أن أُعَوِّد نفسي ما لم تعتده، فعليكم معشر المسلمين بالقصد" (الفتوح لابن أعثم) .

- باءت مُحَاولة أبي عبيدة بالفشل، فحاول يزيدُ بنُ أبي سفيان -رضي الله عنهما- فقال: "يا أمير المؤمنين، إنَّا في بلد الخَصْب والدعة، والسعر عندنا -بحمد الله- رخيص، والخيرُ عندنا كثير من الأموال والدواب والعيش الرفيع، وحالُ المسلمين كما تحب، فالبس ثيابًا بيضًا واكسُها الناس، واركب الخيل واحمل الناس عليها؛ فإنه أعظم لك في عيون الكفار، وألْقِ عنك هذا الصوف؛ فإنَّه إذا رآك العدو على هذه الحال ازدراك. فقال عمر -رضي الله عنه-: يا يزيد ما أُريد أن أتزيَّا للنَّاس بما يَشِينُني عند الله -عزَّ وجلَّ-، ولا أريد أن يعظم أمري عند الناس، ويصغر عند الله -عز وجل- فلا ترادني بعدها في شيء من هذا الكلام" (الفتوح لابن أعثم) .

- واصل عمر -رضي الله عنه- مسيره إلى بيت المقدس على تلك الحال المُتَواضِعَة؛ فعرضت له مخاضة طين فَنَزل عن بعيره، ونزع نَعْلَيْه فأمسكها بيدٍ وخاض الماء ومعه بعيرُه، فقال له أبو عبيدة: "قد صنعت اليوم صُنعًا عظيمًا عند أهلِ الأرض، صنعت كذا وكذا، قال: فصكَّ في صدره (وقال الكلمة الخالدة التي ينبغي أن تملأ أسماع المسلمين وقلوبهم على مرِّ الزمان): "أَوَلو غيرك يقولها يا أبا عبيدة! إنكم كنتم أذلَّ النَّاس، وأحقر النَّاس، وأقلَّ النَّاس، فأعزَّكم الله بالإسلام، فَمَهْمَا تَطْلُبوا العزَّ بغيره يذلكم الله" (البداية والنهاية) .

خاتمة:

- هكذا عادتْ أرض فلسطين والمسجد الأقصى بعد سبعة قرون مِن الاحتلال الرومي على أيدي الجيل الذي جعل قضية الدِّين هي أساس حياته ووجوده.

- هذا هو الجيل الذي يعرف الطريق إلى الأقصى.

- هذا هو الجيل الذي يعود على يديه بيت المقدس للمسلمين؛ جيل يعتز بإسلامه، جيل يعظم أمر الله، جيل الصيام والقيام والقرآن، جيل قدوته رسول الله والصحابة، جيل يرجو الجنة ويخاف النار، جيل يحمل العقيدة الصحيحة في كل جوانبها.

فاللهم مكِّن لدينك في الأرض، وطهِّر المسجد الأقصى مِن دنس اليهود.

الصفحة السابقة