فضل الشهيد وأجره في القرآن الكريم
الشيخ علاء بكر • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد وردت الآيات القرآنية العديدة في الأمر بالجهاد في سبيل الله -تعالى-، وفي بيان فضل هذا الجهاد، وبيان ما رتبه الله -تعالى- من الفضل والثواب على الجهاد والرباط في سبيله، والمجاهد في سبيله -تعالى- له إحدى الحسنيين:
- إما نصر الله -تعالى- له في الدنيا، وهذا إعلاء من المجاهد لكلمة الله -تعالى- في الأرض، وانتصار لدينه -تعالى-، وتمكين له في الأرض، وهذا من أعظم القرب إلى الله -تعالى-، قال الله -تعالى-: ( فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) (النساء:74) ، مع ما يصاحب ذلك من فرحة النصر وحلاوته، قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (الصف: 10-13) .
- وإما شهادة ينالها المجاهد بالقتل في ميدان الحرب في سبيل الله -تعالى-، وهي كرامة لمن يحوزها، وأي كرامة! فلا عمل أحب عند الله -تعالى- من أن يجود المسلم بنفسه في سبيله -تعالى-؛ جاء في الحديث عن أبي قتادة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ )، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ ) (رواه البخاري وأبو داود والترمذي واللفظ) .
معنى الشهيد لغةً واصطلاحًا:
يقال: شهد الشيء فهو شاهد، أي: حضره. قال -تعالى-: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (البقرة:185) ، وقال -تعالى-: ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِين ) (النور:2) ، وقال -تعالى- في سورة النمل: ? مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ ) (النمل: 49) ، أي: ما حضرنا. وقال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) (الفرقان:72) ، أي: لا يحضرونهم بنفوسهم. وشهده شهودًا أي: حضره، فهو شاهد. وقوم شهود أي: حضور. واستشهد فلان فهو شهيد. والمشاهدة: المعاينة. والشهود والشهادة: الحضور مع المشاهدة. فإذا أضيف العلم إلى الأمور الظاهرة؛ فهو شهيد. واسم الشهيد مأخوذ من الشهادة أو من المشاهدة.
- فإن كان من الشهادة، فهو شهيد بمعنى مشهود عليه، ومشهود له بالحسنة. ويجوز أن يكون (فعيلًا) بمعنى (فاعل)؛ لأن الله -تعالى- يقول: ( وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ) (الحج:78) . أي: تشهدون عليهم.
- وإن كان من المشاهدة، فهو شهيد بمعنى (فعيل) بمعنى فاعل أيضًا؛ لأنه يشاهد ملكوت الله -تعالى- ويعاين ما لا يشاهده غيره. ويكون أيضًا بمعنى (مفعول) وهو من المشاهدة أي: أن الملائكة تشاهد قبض روحه والعروج بروحه. والأولى القول بأنه يكون (فعيلًا) بمعنى (مفعول)، ويكون معناه: مشهود له بالحسنة. (راجع في ذلك: لسان العرب لابن منظور، ومفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني).
وقد نقل الإسلام لفظة الشهيد من مدلول اللفظ اللغوي المجرد الذي هو كما قدمنا: الحضور أو العلم أو المشاهدة، إلى معنى آخر اصطلاحي هو: أن الشهيد: مَن قُتِل في سبيل الله صابرًا محتسبًا، مقبلًا غير مدبر، فالشهيد اصطلاحًا: هو المقتول في حربٍ مع الكفار في سبيل الله. والجمع: شهداء.
وتقييد المصطلح بأن يكون القتال في سبيله -تعالى-؛ لحديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ أَعْلَى، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ ) (متفق عليه) .
وتقييده بأن يكون صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر؛ فللحديث الذي رواه أبي قتادة -رضي الله عنه- وفيه: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ )، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( نَعَمْ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ -عليه السلام- قَالَ لِي ذَلِكَ ) (رواه مسلم) .
