شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أحداث غزة... وحصاد الأجيال

الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة

ومن إيجابيات هذه الأحداث المؤلمة: أن يميز الله بها الخبيث من الطيب، مع أن فيها دماءً تنزف وأرواحًا تزهق، ولا شك أن هذا أمر يؤلم كل مسلم، ولكن له ثمرات عظيمة؛ فيجب أن يُستغل ويُستثمر في إذكاء عقيدة الولاء والبراء؛ حتى لا يظل الناس قابلين لمثل هذه الأباطيل التي تُلقى عليهم بالليل والنهار، كأن يقال لهم: إن اليهود أصدقاء! وإن الحرب انتهت إلى الأبد! وإن السلام هو الخيار الإستراتيجي!

فهل يقبل الناسُ اليومَ مثلَ هذا الخيار الإستراتيجي؟!

فالله يُقدِّر بفضله ما يهدم كل هذه الأباطيل، وسيحاول أعداء الإسلام لسنوات طويلة قادمة إزالةَ آثار أفعالهم الوحشية في حق المسلمين.

نعود فنقول: إنه يجب أن تُستغل هذه الأحداث في تعميق أهمية التغيير الداخلي، وأنه هو الذي يتغير به الحال، فكثير من الكبائر والمحرمات يفعلها الناس دون أن تُفرض عليهم: كالمخدرات، والرشَى، والربا، والفواحش، والاغتصاب، والتبرج، وغصب أموال الناس، والظلم، والعدوان، والغش في كل المجالات، وفوق ذلك: سب الله، وسب دين الله -تعالى- الذي ينتشر في كثير من الشعوب! فكل هذه من أسباب انهيار المجتمع.

ومع ذلك فالناس يقولون: ما الذي أصابنا؟!

إن أموال المسلمين اليوم ليست بأيديهم؛ فهي يا للأسف الشديد موضوعة في بنوك اليهود، وثرواتهم مهدرة ضائعة، فإلى متى هذا الأمر؟! إن هذا كله من أسباب البلاء؛ فالمسلمون لا يتحكمون في ثرواتهم التي هي بأيدي أعدائهم، وليس الأمر في البلاد المحتلة فقط، فليس بترول العراق وحده هو المنهوب، بل كل ثروات المسلمين منهوبة، وضاع ثمانمائة مليار من أموال المسلمين -على الأقل- في أزمة عالمية يفتعلونها، أو أصابتهم عقوبة لهم.

ويا للأسف: هناك من يبرر هذا المنكر باسم الدين، وبأن ولاة الأمور أعلم بالمصالح -نسأل الله العفو والعافية-، وهل المصالح في الربا؟! هل المصالح في عدم استغلال أموال المسلمين فيما ينفعهم؟! أليس فقراء المسلمين أولى بهذه الأموال؟!

نحتاج -بلا شك- إلى تغيير البنية التحتية الحقيقية للمجتمعات الإسلامية: في عقائدهم، وأفكارهم، وسلوكهم، وعملهم، وأخلاقهم.

نحتاج إلى أن تحرر هذه القلوب من سلطان التقليد الأعمى للغرب، وإن هذه الأجيال التي تربت على التبعية التامة والانبطاح التام للغرب في وسائل الثقافة والإعلام لا شك ستموت، ومراكز القوى الظالمة في المجتمعات سوف تضمحل، ويخرج بعد ذلك جيل آخر بناءً على ما يتشكل في عقل الأمة وحسها خلال هذه الأزمات.

إن هذا التغيير لا بد منه، وإذا تغيَّر الناس تغير ولاتهم، وتغيرت أحوال مَن يتسلط عليهم؛ لذلك فإن هذه الأمور إذا أحسن الدعاة إلى الله -عز وجل- بيانها كان ذلك سببًا للتغيير الحقيقي.

إن حرب 67 على ما كان فيها من ألم كانت سببًا في إفاقة كثير من شباب الأمة، وأن يعودوا إلى الإسلام وإلى الدين، فقد كانت مصيبة عظيمة جدًّا جعلت كثيرًا من الناس يفقد الثقة في الاشتراكية العربية والقومية العربية ومن يدعو إليهما، فكانت مصلحة عظيمة بلا شك.

إن الموازين في الواقع الحاضر تؤكد أن التغيير الشامل لا يتم إلا بتغيير سلوكيات الشعوب، وتغيير الموازين الداخلية؛ حتى تتغير موازين القوى في العالم.

وإن كنا نرجو لغزة اليوم نصرًا مؤزرًا من الله -تعالى-؛ لأنهم رفعوا راية الإسلام؛ لكن لا بد من استغلال هذه الأزمات، وبيان أننا أُصبنا بهذه المصائب بسبب ذنوبنا ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) (الشورى:30) .

والمسؤولية مشتركة وعامة، تشمل مَن ترك الواجب وفعل المحرم، ومَن ترك السنة وفعل البدعة ونشرها، والتاريخُ شاهدٌ على ذلك؛ فإنه لما انتشرت بدع الصوفية، وعبادة غير الله، وبدع العلمانية؛ كانت هي معاول الهدم التي نخرت في الخلافة العثمانية، التي ظلت تنهار في مائتين وخمسين سنة تقريبًا، من يوم أن وقفت في وجه دعوة الإصلاح التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-.

الصوفية هي التي أعلنت النكير على دعوة التوحيد، وزعمت بأن الشيخ يكفر المسلمين، ونادت بإعادة تعظيم القبور مرة أخرى، وظلت هذه القضية إلى أن دخلت العلمانية وسُمح لأحزابها بالتواجد، فاجتمع الشران أحدهما مع الآخر: العلمانية والصوفية؛ فأدى هذا إلى أن تسقط القدس في أيدي قوات الحلفاء، فالقدس ظلت حتى عام 1917م في أيدي المسلمين، حتى أتى الاحتلال الغربي وأخذ هذه البلاد، وسقطت القدس في أيدي الحلفاء بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وبعدها مباشرة صدر وعد "بلفور" الذي تكونت به دولة إسرائيل بعد ثلاثين سنة، فبعد إحدى وثلاثين سنة من هذا الوعد أُقيمت هذه الدولة اللقيطة.

إن انهيار الخلافة لم يكن نابعًا من ضعف مادي أو عسكري، فالمسلمون -بحمد الله- فيهم كفاءات عقلية عظيمة جدًّا، قادرة على تهيئة أفضل الوسائل لقوة المجتمعات المسلمة، والحفاظ على الدين والدولة؛ لو كان هناك فهم صحيح للدين، ولو كانت هناك إرادة وعزيمة على نصرة هذا الدين، ولكن الذي حدث هو الخلل في الفهم، والخلل في الالتزام بالمنهج الإسلامي، فضاعت الخلافة، وضاع معها كل ما كان بأيدي المسلمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

قتل في العراق مليون نسمة في الغزو الأمريكي للعراق، أي: ما يزيد على ثلاثمائة ضعف قتلى غزة، وأيضًا لم تتغير الصورة كثيرًا، والتغيير لن يتم إلا من خلال الانتفاع بهذه المواقف المريرة التي تمر بها الأمة، وأن نوقظ الهمم في تغيير الواقع وإصلاحه، أما إذا استمر الأمر على ما هو عليه، وظل المسلمون لا يفرقون بين الولي والعدو، ولا يفرقون بين المؤمن والمنافق، الذي هو عدو الإسلام، والذي يعمل لمصلحة أعداء الدين، بل يوجد من يروج له باسم الدين؛ فبمثل هذا سيظل الواقع كما هو عليه.

فنقول: التغيير الحقيقي إذا تمَّ فعلًا؛ تتغير هذه الموازين، ويتغير الحال إلى ما يحبه الله -عز وجل- ويرضاه، ولعل أحداث غزة تكون أكبرَ أسباب هذا التغيير، وأُولى خطواته المباركة، والبُشْرَيات كثيرةٌ -بحمد الله- ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (يوسف:21) .

والحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة