القدس بدأت إسلامية.. وستظل إسلامية ولو كره الكافرون (2) (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • السيرة والتاريخ
ولكن بَدَأَت محاولات الحفريات وإحراق المسجد عدة مرات، والسماح بدخول اليهود إليه -وإنا لله وإنا إليه راجعون- عَدْلًا مِن الله على الأُمَّة الإسلامية؛ فليس الأمر بأَمَاِنِّينا ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب: ( مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ) (النساء:123) .
ثم حَارَب المصريون حرب رمضان، أكتوبر سنة 73، واستردوا "سيناء" بعد جهودٍ كبيرةٍ، لكن لم يستطع أَحَدٌ أن يتكلم على "القدس" و"المسجد الأقصى"؛ إذ أَعلَنَها الكيان الصهيوني عاصمة لهم، ولم يقبل أكثرُ العالَم ذلك، حتى جاء "ترامب" يُنَفِّذُ الوعد بنقل السفارة الأمريكية للقدس؛ ليفتح الباب أمام جميع الدول الدائرة في فَلَك "الولايات المتحدة" لتفعل ذلك؛ مُسْتَغِلًّا حالة الضعف الشديد التي تعم البلاد العربية والإسلامية، والتَّفَرُّق والاختلاف والفوضى -الخَلَّاقَة للشَّرِّ- في كثير من بلادهم التي تقترب مِن "القدس"، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولكن وَعْد الله بعودة "القدس" إلينا عَقيدةٌ رَاسِخَةٌ لا تتبدل؛ لأنها في القرآن: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) (النور:55) ؛ فبالإيمان والعمل الصالح، وبإفراد الله -سبحانه وتعالى- بالعبادة، وترك الشرك ومُحَارَبَتِه: تنتصر الأُمَّةُ، وتعود لها أرضها ( وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ ) (الصافات:173) .
وقد أخبر النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- أن الدجال يهودي، كما في حديث أبي سعيد الخُدْرِيّ في صحيح مسلم، وهو "مَسِيحُ الضَّلَالة" الذي ينتظره اليهود إلى الآن؛ إذ كَذَّبُوا المسيح الحق عيسى ابن مريم -عليهما السلام-، ورَمَوا أُمَّهُ بالبُهْتَان العظيم، ثم كَذَّبُوا محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-؛ ( فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وللكافرين عَذَابٌ مُهين ) (البقرة:90) ، وأَخْبَرَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- أنه يتبع الدَّجَّال من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة "وأصبهان في إيران"، والحديث رواه مسلم.
وأَخْبَرَ أن المسيح عيسى ابن مريم -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- ينزل عند المنارة البيضاء، شَرْقِيَّ دمشق، فيُصَلِّى خلف إمام المسلمين -تكرمة الله لهذه الأُمَّة- ويصبح هو القائد للأُمَّة؛ قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ ) (رواه البخاري) . أي: لا يقبلها-، ويطلب المَسيحَ الدَّجَّالَ فيُدْرِكُه بباب لُدٍّ -قرية موجودة إلى الآن من قرى بيت المقدس- فيَقْتُلُه، ويريهم دَمَه في حَرْبَتِه.
وفي زمنه تكون المِلَّةُ واحدة -هي الإسلام- فيؤمن ويسلم كلٌّ اليهود والنصارى؛ يؤمنون بالمسيح -عليه السلام- عَبْدًا ورَسُولًا، وبمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- خَاتِمًا للنبيين؛ قال الله -تعالى-: ( وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا . وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا . بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا . وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ) (النساء:156-159) .
فـ"القُدْسُ" تبقى إسلامية، وستظل إسلامية، وحَوْلَها الملاحم الكبرى قبْل السَّاعة؛ ومهما اغتر البعض بقُوَّتِهِم الزائفة -الزائلة إن شاء الله- فلن تَدُومَ لَهُم، وسوف يهدي الله الأُمَّة وتصحو مِن غَفْوَتِها، وتعود لنُصْرَةِ دِينِها، فتعود لها عزتها؛ فَلَا تَيْأَسُوا مِن رَوْحِ اللهِ، إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَوْحِ الله إلا القَوْمُ الكَافِرُونَ.
نسأل الله -عَزَّ وَجَلَّ- أن يُعَاِفَي المسلمين وبِلَادَهُم مِن كُلِّ سُوءٍ.
