شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الشيخ الذي جهله الكثيرون!

محمد سرحان • مع الدعاة

وكان الشيخ عميق الفهم في دين الله عز وجل، والفقه في الكتاب والسنة، وحينما يسأل لا يقول يجوز أو لا يجوز بالدليل فقط، وإنما كان يدل المخطئ أو صاحب العقد الفاسد أو التعامل الخاطئ على كيفية الصواب، ويوجِد له البديل الشرعي لما هو فيه، وكانت هذه ميزة كبيرة لا تجدها عند الكثيرين، وكان عنده رحمة كبيرة بالناس، ويشعر بمعاناتهم وأحوالهم، ويظهر ذلك في معاملاته معهم أو إجاباته لأسئلتهم.

مع امتيازه في شرع العلوم الشرعية بطريقة مبهرة، بل كان في دروسه يطرح أقوال العلماء ومذاهب الفقهاء واختلافهم على عوام الناس بطريقة سلسلة بسيطة منمقة، حتى أنهم لو لم يذكر الشيخ ذلك في أحد دروسه يطالبونه هم بعرض أقوال الفقهاء.

وكان الشيخ سلفيًّا على الجادة، يتمسك بالهدي السلفي والمنهج السلفي والفهم السلفي في كل أموره وأحواله، وكان يحث كل من يعرفه على التمسك بذلك، وكان دائمًا ما يوجه: أن ننتفع بتكنولوجيا العصر مع التحذير من أن تغيَّر شيئًا من السلفية أو الطريقة السلفية والمنهج السلفي.

زهده رحمه الله:

كان الشيخ رحمه الله غاية في التواضع، في ملبسه ومأكله ومشربه، مع نظافة وهندام، وبيته في غاية التواضع، لا ترى فيه شيئًا يرد البصر، أكثر شيء فيه الكتب، خاصة كتب القراءات وما يخص القرآن، وليس ذلك عن بخل أو فقر فقد كان كريمًا رحمه الله سخيًّا، عرف ذلك من عاشره، لكنه يتقلل من الدنيا.

تواضعه رحمه الله:

كان الشيخ مضرب المثل في التواضع وهضم حظ النفس، واحترام الصغير والكبير، حتى إنك إذا رأيته يتكلم مع إنسان حديث الالتزام كأنه يكلم أحد العلماء، وإذا تحدث عن بعض من يخالطهم -وهم أسمى أمانيهم أن يجلسوا دقائق معه يستمعون إليه- كأنه يتحدث عن مشايخه ومن تتلمذ على أيديهم، حتى لُمته يومًا في ذلك فقال: هذه أخلاق تربينا عليها.

من أخلاقه رحمه الله:

كان صاحب خلق رفيع، بل هو أخلاق المؤمنين تمشي على الأرض، لا أظن أن أحدًا عاشره ولم يحبه، بل كان -كما حدثني أحد المقربين إليه- سببًا في التزام أناس بسبب هديه وسمته وخلقه وتعاملاته، وكان له تأثير في كل من حوله.

وكان صاحب عبادة وورع، رأيت بعض ذلك بنفسي.

وكان لا يحب الشهرة، بل يهرب منها، حاولت معه مرارًا وتكرارًا أن أسجِّل له بعض دروسٍ أو محاضرات، فكان يرفض، ولم يكن إلَّا كلمة سُجِّلت في احتفال ختام دورة معلم القراءة في حضانة مسجد بدر، وآخر خِلْسة سجَّله له أحد الأخوة في حفل زفاف دون علم الشيخ، أو ما سجِّل بغير إذنه ومعرفته، فكان يرى رحمه الله أنه ليس أهلًا لذلك، مع علمه الذي يعرفه القريب والبعيد، وكان لا يحب المدح ولا الثناء، ويستاء من ذلك، ويقول: ليس هذا من الهدي السَّلفي، فرحمه الله رحمة واسعة.

كان عفيف اللسان، قليل الكلام، ما سمعته يغتاب أحدًا أو يتكلم في عرض أحد، حسن الاستماع لمن جالسه، صاحب ابتسامة رقيقة، وحسن استقبال، سهل لين، لا تجد صعوبة في الحديث معه أو العلاقة به، مع هيبة ووقار، له طريقة رائعة في النصح والتوجيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد شاهدت من ذلك ما تمنيت أن أكون وإخواني والدعاة إلى الله بهذا الفقه وهذه الطريقة البديعة.

ولكي تعلم ما وصل إليه من خلق وحسن تعامل فإليك هذه القصة: أراد يومًا أن يترك مسكنه إلى مسكن آخر لبعض المضايقات في عقاره الذي يسكن فيه، فنزل جيرانه ورفضوا أن يتركهم، وأزالوا ما كان يضايقه، فكم رأيتم أو سمعتم عن مثل ذلك؟

وكان في نصائحه وتوجيهاته يجمع بين العلم وفقه الواقع والخبرة الحياتيَّة، ولقد استفاد من نصائحه كثير من طلاب العلم، وكانت نصائحه وتوجيهاته سببًا في تغيُّر جذري في حياتي وحياة أناس أعرفهم.

هذه لمحة سريعة عن الشيخ، وتعريف به بسيط، وحياته فيها أكثر من ذلك، لكن كتبنا ما كتبناه استعجالًا بالخير؛ ليستفيد منها إخواننا وأحبابنا.

رحم الله علماءنا ومشايخنا الأموات، وبارك في عمر الأحياء وحفظهم، وحشرنا في زمرة النبيِّين.

وصل الله وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الصفحة السابقة