فمهل الكافرين أمهلهم رويدًا (من تراث الدعوة)
محمد عبد الفتاح أبو إدريس • من نور الوحيين
وتأمل إلى جواب موسى لقومه -كما في قوله تعالى-: ( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) (الأعراف: 128، 129) .
ولنعلم أن الاجتهاد في تحصيل التقوى؛ عملًا بشرع الله، وعملًا بطاعته وطاعة رسوله، واجتنابًا لنهيه ونهي رسوله، قال -تعالى-: ( فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) (هود: 49) ؛ إن لم يتحقق قبل التمكين فما أبعد أن يتحصل شيء منها بعده؛ فأين الأمير أو الرئيس أو الملك الذي يطلب العلم عند أبواب العلماء، أو حتى يجد متسعًا من وقته -وهو تشغله الصراعات والمنافسات على الدنيا- لطلبه من الكتب وكلام اهل العلم؟!
وأين تجد كبيرًا او متصدرًا يزيده تصدره ورعًا وخوفًا من الله؟!
ولذا، فهذه المرحلة فرصة للتربية والإعداد العام الذي لا بد منه لنفوس الطائفة المؤمنة بالتواضع، والتنافس على الطاعة، والتحاب في الله، والاجتهاد في العبادة والطاعة دون النظر للنتيجة في هذه الحياة والآثار، وإنكار الذات، فيكون "الواحد منا مع الله بلا خلق ومع الخلق بلا نفس" -كما قال بعض السلف-، يعني: الإخلاص مع الله، والتواضع مع الخلق، حتى إذا حصل التمكين -بإذن الله- لم تتصارع هذه النفوس على الدنيا وطلب المُلك، وهذا آخر ما خافه الرسول على صحابته الكرام الذين رباهم بنفسه حيث قال: ( مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ ) (متفق عليه) .
وليستيقن أهل الإيمان وأصحاب الدعوة: أن النصر ليس من صنعهم، وأن الدعوة إنما تنجح وتسير لا بفضلهم ولا عملهم، فكم بذلوا في مرحلة الضعف وما أنتج البذل شيئًا، وكم حاولوا وباءت محاولاتهم بالفشل وهم يرون ذنوبهم ويعلمون كم في نفوسهم من القبح والسوء، فإذا مَنَّ الله عليهم بفضله ومِنَّته -مع غناه عنهم- لم ينسوا هذه اللحظات، ولم تسعَ حظوظ النفوس لأن تقول: أنا الذي صنعت هذا، وانا صاحبة الفضل فيه؛ لا حالًا ولا مقالًا؛ قال -تعالى- مذكرًا أهل بدر بعد النصر العظيم في هذه الغزوة التي بها عُبد الله في الأرض ويعبد إلى يوم القيامة: ( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (الأنفال: 26) .
ألا فلتأخذ الطائفة المنصورة -أهل السنة والجماعة- بأسباب النصر والتمكين والسعي لإعلاء كلمة الله في الأرض، وهم يرون المِنَّة لله عليهم في أن جعلهم أهل طاعته في وقت الشدة، وأهل هدايته في وقت انتشار الضلالة، وأهل توفيقه وقت زيادة الخذلان؛ أي منة أعظم من ذلك؟! قال -تعالى- مذكرًا للمسلمين عقب هزيمة أحد: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) (آل عمران: 164) .
