شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الكبائر (37) التولي يوم الزَّحْف (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

ث‌- الصبر في مواطن القتال.. فإنه يعين على الثبات والاستمرار في المعارك حتى نهايتها من غير تبرم أو جزع: ( وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (الأنفال: 46) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال القرطبي -رحمه الله-: "فإذا لقيت فئةٌ من المؤمنين فئةً هي ضعف المؤمنين من المشركين، فالفرض ألا يفروا أمامهم؛ فمن فر من اثنين فهو فار من الزحف، ومن فر من ثلاثة فليس بفار من الزحف، ولا يتوجه إليه الوعيد، والصبر أحسن. وقد وقف جيش مؤتة وهم ثلاثة آلاف في مقابلة مائتي ألف.. وقد وقع في تاريخ الأندلس أن طارقًا مولى موسى بن نصير سار في ألف وسبعمائة رجل إلى الأندلس، فالتقى وملك الأندلس لزريق، وكان في سبعين ألف عنان فزحف إليه طارق وصبر له، فهزم الله الطاغية لزريق وكان الفتح" (تفسير القرطبي) .

إن المسلمين لم ينتصروا في غزواتهم ولا في حروبهم بكثرة عدد ولا عدة، ولكن الله -تعالى- نصرهم بإيمانهم وثباتهم مع قلة عددهم وعتادهم؛ قال -تعالى- ( قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ).

(2) وقال القرطبي: "فالمنحرف من جانب إلى جانب لمكايد الحرب غير منهزم، وكذلك المتحيز إذا نوى التحيز إلى فئة من المسلمين ليستعين بهم فيرجع إلى القتال غير منهزم أيضًا، أما المغامرة وهي اقتحام الواحد للعشرة أو أكثر، فإن كان لكسر شوكة المشركين وإضعاف نفوسهم فقد جوزه البعض" (تفسير القرطبي) .

(3) ملخص خطة خالد بن الوليد العسكرية في هذه الغزوة بالنقاط الآتية:

أ‌- تغيير موقع الجند: قام خالد بن الوليد -رضي الله عنه- بتغيير مواقع الجند في أركان الجيش، فجعل الجند الذين يقاتلون في الميمنة في الميسرة، والذين يقاتلون في الميسرة في الميمنة، والذين في المؤخرة في المقدمة والذين في المقدمة في المؤخرة؛ وذلك حتى تتغير على الأعداء الوجوه فيظنون أن مددًا قد وصل للمسلمين.

ب‌- إحداث الضوضاء: أمر الجند في الليل حيث تحاجز الجيشين بإحداث أكبر ضوضاء وجلبة ممكنة بقرع الطبول، والطرق على الأواني وغير ذلك؛ حتى يظن الأعداء أن هذه الجلبة مصدرها مدد وصل في الليل، وهي أيضا شكلٌ من أشكال الحرب النفسية التي استخدمها خالد -رضي الله عنه- ضد أعدائه.

ت‌- إثارة الغبار وإيهام العدو: أمر مجموعة من الفرسان وعددهم بحدود الخمسين فارسًا أن يلتفوا من خلف جبل وراء المسلمين مرارًا، ثم يعودون إلى الجيش من خلفه محدثين أكبر قدر من إثارة الغبار موهمين الأعداء باستمرار تدفق المدد الذي بدأ في الليل بحسب ظنهم.

ث‌- الانسحاب شيئًا فشيئًا، وحفظ أرواح المسلمين؛ في اليوم التالي استمر بإحداث الضوضاء والجلبة ليلًا، ثم سحب الجيش إلى الوراء وقام بتفريقهم مما يوهم العدو أن عددهم قد زاد، وأخذ ينسحب بهم شيئا فشيئا، فأوقع ذلك في نفوس الروم الشك والريبة والخوف من أن يتم سحبهم إلى فخ أو إلى الصحراء التي يعرفونها العرب ويحسنون فيها القتال؛ فلم يتجرأوا على ملاحقة جيش المسلمين، فاستمر خالد -رضي الله عنه- بالانسحاب حتى وصل المدينة. ونجحت خطة خالد بن الوليد -رضي الله عنه- في الانسحاب التكتيكي ليُجنِبَ المسلمين هلاكًا محققًا، فقد كان انسحابًا ناجحًا ضمن سلامة المسلمين. ولما قدم المسلمون بقيادة خالد بن الوليد -رضي الله عنه- المدينة وصفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنهم الكُرَّار، ولم يعدَّهم من الفُرَّار كما وصفهم عامة الناس.

الصفحة السابقة