شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الكبائر (37) التولي يوم الزَّحْف (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة التي ضمن الله لمن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: ( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ) (النساء: 31) .

- التولي يوم الزحف من الكبائر العظام، والمهلكات الجسام في الدنيا والآخرة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ )، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ وما هُنَّ؟ قالَ: ( الشِّرْكُ باللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بالحَقِّ، وأَكْلُ الرِّبا، وأَكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَومَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ الغافِلاتِ ) (متفق عليه) .

- المقصود بالتولي يوم الزحف: هو الفرار من ميدان المعركة أو الحرب، قال الشيخ العثيمين: "التولي: بمعنى الإدبار والإعراض. ويوم الزحف: يعني يوم تلاحم الصفين في القتال مع الكفار، وسمي يوم الزحف؛ لأن الجموع إذا تقابلت تجد أن بعضها يزحف إلى بعض كالذي يمشي زحفًا". (القول المفيد شرح كتاب التوحيد) .

- الإشارة إلى حاجتنا لنشر فقه الجهاد ومواجهة الأعداء في صفوف الجيوش الإسلامية، ليثبت أبناؤنا ويحتسبوا الأجر عند المواجهة.

(1) منظور الحرب في الإسلام:

- جاء الإسلام ينظم حياة البشر لا الملائكة، والبشر فيهم الخير والشر، ولم يكن الإسلام داعيًا إلى الاستسلام للظلم والظالمين، ولم يكن داعيًا إلى الظلم والوحشية والانتقام، واعترف الإسلام بالحرب؛ لأن طبيعة البشر فيها التنازع، ولا بد من المدافعة، قال -تعالى-: ( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (البقرة: 251) .

- الحرب في الإسلام لا تكون إلا لأجل الغاية العظيمة النبيلة: قال الله -تعالى-: ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) (الأنفال: 39) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، ويُقِيمُوا الصَّلَاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذلكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ إلَّا بحَقِّ الإسْلَامِ، وحِسَابُهُمْ علَى اللَّهِ ) (رواه البخاري ومسلم) .

- الحرب في الإسلام وسيلة لا غاية: قال الله -تعالى-: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (النحل: 125) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( انْفُذْ علَى رِسْلِكَ حتَّى تَنْزِلَ بسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إلى الإسْلَامِ، وأَخْبِرْهُمْ بما يَجِبُ عليهم مِن حَقِّ اللَّهِ فِيهِ؛ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بكَ رَجُلًا واحِدًا، خَيْرٌ لكَ مِن أنْ يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ ) (رواه البخاري ومسلم) .

- الحرب في الإسلام عدل ورحمة وسماحة: قال الله -تعالى-: ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) (البقرة: 190) . كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لقواده: ( اغْزُوا باسْمِ اللهِ في سَبيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَن كَفَرَ باللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا.. ) (رواه مسلم) . (أمثلة معاملة المسلمين للأسرى: صلاح الدين الأيوبي يفتح بيت المقدس، فيحسن في مائة ألف أسير ويترك أكثر، ويمن بالمال على الثكالى - محمد الفاتح يحسن إلى أهل القسطنطينية بعد فتحها، وينتخب لهم بط-ريقًا يحكم في شئونهم).

- أعداء الإسلام والحرب القذرة: قال -تعالى-: ( كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ) (التوبة: 8) . (أمثلة: الصليبيون يقتلون مائة ألف مسلم في معرة النعمان في الشام بعد تأمينهم بالعهد، ومثلهم في المسجد الأقصى بعد ما أعطوا العهد - الجنود الروس يلقون بملابس النساء الأفغانيات من الطائرات على رؤوس المسلمين - الحرب الصليبية القذرة في البوسنة - اليهود يدفنون آلاف الأسرى المصريين أحياءً في صحراء سيناء - اليهود يرتكبون المجازر المتتالية ضد المسلمين في فلسطين، ولبنان، وغير ذلك).

(2) وجوب الثبات عند لقاء الأعداء:

- ومما سبق يتبين أن الحرب والقتال في الإسلام إنما هو وسيلة من وسائل نشر الدين والعدل والدفاع عن أعراض المسلمين، ولهذا وجب على المسلمين عندئذ الصبر والثبات وعدم التولي، وإظهار الشجاعة والإقدام في ميادين الحرب والقتال، فالثبات برهان الصدق مع الله -تبارك وتعالى-: قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ . وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (الأنفال: 15، 16) .

- والفرار والتولي جبن وخور، وإيذاء للمسلمين وخيانة لهم، فإنه يحدث في الصفوف الفرقة، ويفت في العزائم ويضعف الهمم، ويشجع العدو على الإغارة على من ثبت من المسلمين: قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (الأنفال: 45، 46) .

الصفحة التالية