لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة (٢)
محمود أمين • المنهج السلفي
وقال: "وقوله: ( وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) قال سفيان الثوري وغيره، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، أي: مؤتمنًا عليه. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: المهيمن: الأمين، قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله. وروي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومحمد بن كعب، وعطية، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والسدي، وابن زيد، نحو ذلك.
وقال ابن جريج: القرآن أمين على الكتب المتقدمة، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل. وعن الوالبي، عن ابن عباس: ( وَمُهَيْمِنًا ) أي: شهيدًا. وكذا قال مجاهد، وقتادة، والسدي. وقال العوفي عن ابن عباس: ( وَمُهَيْمِنًا ) أي: حاكمًا على ما قبله من الكتب.
وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، فإن اسم "المهيمن" يتضمن هذا كله؛ فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب" (تفسير ابن كثير) .
والعجب أن بعض أهل الزيغ والضلال يعلمون ذلك -وهو الموجود في جميع كتب أهل العلم وفي المدارس والجامعات الدينية-، لكن يتركون بيان هذا الفرق لكي يلبسوا على الناس دينهم.
عدم التفريق بين الرسل:
يدخل في قضية الإيمان بالرسل عدم التفريق بينهم؛ بمعنى أن على جميع المؤمنين أن يؤمنوا بجميع الأنبياء والرسل ويصدقوهم، ويشهدوا لهم بالنبوة والرسالة، ولا يجوز تكذيب واحد منهم؛ لأن الله أرسلهم جميعًا؛ ولأنهم كلهم يصدق بعضهم بعضًا في الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له وإن اختلفت شرائعهم، وهذه مسألة أخرى غير مسألة لزوم شريعة النبي -صلى الله عليه وسلم- كشريعة خاتمة ناسخة لما قبلها، فيجب الإيمان بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وتصديقه في رسالته، ثم يلزم اتباع شريعته؛ لأنها ناسخة لما قبلها.
إذًا مسألة الإيمان بجميع الأنبياء والرسل مما لم تختلف فيه الشرائع، فقد أمرنا بأن نؤمن بالرسل جميعًا ولا نفرِّق بينهم في الإيمان، كما قال الله -سبحانه وتعالى-: ( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (البقرة: 136) ، وتكرر الأمر بذلك في قوله -تعالى-: ( قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ . وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران: 84-85) .
قال ابن جرير الطبري: "وأن جَميع من ذكر الله من أنبيائه كانوا على حق وهدى، يُصدِّق بعضهم بعضًا، على منهاج واحد في الدعاء إلى توحيد الله، والعمل بطاعته ( لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ )، يقول: لا نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض، ونتبرَّأ من بعضٍ ونتولى بعضًا، كما تبرأت اليهودُ من عيسى ومحمد -عليهما السلام- وأقرَّت بغيرهما من الأنبياء، وكما تبرأت النصارى من محمد -صلى الله عليه وسلم- وأقرّت بغيره من الأنبياء، بل نشهد لجميعهم أنهم كانوا رسلَ الله وأنبياءَه، بعثوا بالحق والهدى" (تفسير الطبري) .
وسمى الله من كفر ببعض الرسل وآمن ببعض كافرًا، بل أخبر أن هذا هو الكافر حقًّا، كما قال -سبحانه وتعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا . أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ) (النساء: 150-151) .
قال ابن جرير الطبري: "يعني بقوله جل ثناؤه: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ )، من اليهود والنصارى = ( وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ )، بأن يكذبوا رسل الله الذين أرسلهم إلى خلقه بوحيه، ويزعموا أنهم افتروا على ربهم. وذلك هو معنى إرادتهم التفريقَ بين الله ورسله، بنِحْلتهم إياهم الكذب والفريةَ على الله، وادِّعائهم عليهم الأباطيل = ( وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ )، يعني أنهم يقولون: "نصدِّق بهذا ونكذِّب بهذا"، كما فعلت اليهود من تكذيبهم عيسى ومحمدًا -صلى الله عليهما وسلم-، وتصديقهم بموسى وسائر الأنبياء قبله بزعمهم، وكما فعلت النصارى من تكذيبهم محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، وتصديقهم بعيسى وسائر الأنبياء قبله بزعمهم".
إلى أن قال: "فقال -جل ثناؤه- لعباده منبهًا لهم على ضلالتهم وكفرهم: ( أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا )، يقول: أيها الناس، هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم، هم أهل الكفر بي، المستحقون عذابي والخلود في ناري حقًّا. فاستيقنوا ذلك، ولا يشككنَّكم في أمرهم انتحالهم الكذب، ودعواهم أنهم يقرُّون بما زعموا أنهم به مقرُّون من الكتب والرسل، فإنهم في دعواهم ما ادعوا من ذلك كَذَبَةٌ؛ وذلك أن المؤمن بالكتب والرسل هو المصدّق بجميع ما في الكتاب الذي يزعم أنه به مصدق، وبما جاء به الرسول الذي يزعم أنه به مؤمن؛ فأما من صدّق ببعض ذلك وكذَّب ببعض، فهو لنبوة من كذب ببعض ما جاء به جاحد، ومن جحد نبوة نبي فهو به مكذب. وهؤلاء الذين جحدوا نبوة بعض الأنبياء، وزعموا أنهم مصدقون ببعض، مكذبون من زعموا أنهم به مؤمنون، لتكذيبهم ببعض ما جاءهم به من عند ربهم، فهم بالله وبرسله = الذين يزعمون أنهم بهم مصدقون، والذين يزعمون أنهم بهم مكذبون = كافرون، فهم الجاحدون وحدانية الله ونبوّة أنبيائه حق الجحود، المكذبون بذلك حق التكذيب؛ فاحذروا أن تغتروا بهم وببدعتهم، فإنا قد أعتدنا لهم عذابًا مهينًا" (تفسير الطبري) .
