شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تراثنا دائم التجديد ذاتي النقد

شحات رجب بقوش • المنهج السلفي

ومِن صور النقد الذاتي للتراث الإسلامي: "علم الحديث"؛ فأهل الحديث كانوا نقادًا أفذاذًا ينتقدون كل دخيل ويكشفون كل بدعة تُستحدث في الدين؛ فلولاهم لعمت البدع، وشاعت الشبهات، ولذلك قال الحاكم النيسابوري رحمه الله في مقدمة كتابه: "معرفة علوم الحديث": "أما بعد: فإني لما رأيت البدع في زماننا كثرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قلَّتْ، مع إمعانهم في كتابة الأخبار، وكثرة طلبها على الإهمال والإغفال؛ دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف يشتمل على ذكر أنواع علوم الحديث…" (معرفة علوم الحديث).

وقبل ذلك قيل لابن المبارك رحمه الله: "هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة" (الكامل في ضعفاء الرجال).

فتبيَّن مِن ذلك أن علم الحديث خير رادع لكل مبتدع في الدين، وقال ابن المبارك: "الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، لَوْلا الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ".

فكان المحدثون نقادًا، ينقدون المرويات وما نسب للنبي صلى الله عليه وسلم بمنهج علمي رصين، شهد بجودته المستشرقون المنصفون؛ قال القس المستشرق الإنجليزي (دافيد صموئيل مرجليوث) 1858: 1940م: "ليفتخر المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم" (ينظر: المقالات العلمية، نقلًا عن تقدمة العلامة المعلمي اليماني في المعرفة لكتاب الجرح والتعديل).

ولم يكن النقد مقتصرًا على علم الحديث فقط، بل كان في كافة العلوم الإسلامية، ففي الفقه تنوعت المذاهب الفقهية، فنشأ علم الفقه المقارن الذي يناقش أدلة كل مذهب في المواضع المختلف فيها، فيبين الدليل الأقوى والدليل الضعيف، والدليل الضمني والصريح، والقول الراجح والمرجوح في عملية تمحيص ونقد بأسس علمية لم تشهد مثلها أمة من الأمم، فنشأ عن ذلك مكتبة ضخمة من الفقه المقارن؛ ينظر منها كتاب: "مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (ت: 321هـ)" اختصره الجصاص الحنفي (ت: 371هـ)، وكتاب "الإشراف على نكت مسائل الخلاف" للقاضي عبد الوهاب المالكي (ت:422هـ)، و كتاب "البيان" للعمراني الشافعي (ت : 558هـ)، وكتاب "إجماع الأئمة الأربعة واختلافهم" لابن هبيرة الحنبلي (ت: 560هـ)؛ كل هذه كتب قامت على نقد الأدلة والأحكام.

إلى جانب ما تقدم، فقد كان هناك ردود علمية وانتقادات بين العلماء باستمرار، منها: "الرد على الجهمية" لأبي سعيد الدارمي السجستاني (ت: 280هـ)، والردود على الجهمية كثيرة تتابع العلماء على الكتابة فيها، والرد على المبتدعة.

بل وأهل السُّنة أنفسهم من العلماء قد ردوا على بعضهم بعضًا ليصنعوا نموذجًا فريدًا مِن النقد الذاتي للتراث، وما كان بين ابن حجر والبدر العيني خير مثال، فقد ألَّف ابن حجر كتاب فتح الباري في شرح صحيح البخاري، فألف معاصره البدر العيني كتابه: "عمدة القاري"؛ ولأنه متأخر عنه انتقد على ابن حجر أمورًا، فجاء ابن حجر فألَّف كتابه الثاني: "انتقاض الاعتراض" ليجيب على اعتراضات العيني.

وكذلك كانت المساجلات العلمية والردود المتبادلة بين الحافظين الكبيرين: السخاوي والسيوطي رحمهما الله.

الخاتمة:

إن مَن ينادي بتجديد التراث أو نقده، إن كان صادقًا في دعواه، فتراثنا امتلك أدوات التجديد المستمر، والنقد الذاتي، وليس بحاجةٍ إلى مناهج تجديد ونقدٍ مِن خارجه، فإن كانت الدعوى للتجديد والنقد تريد استيراد مناهج أجنبية لتطبيقها على التراث؛ فهذا تنكر لتراثنا بهدف هدمه وليس تجديدًا ولا نقدًا، وستخرج هذه العملية بإنتاجٍ مشوهٍ لا يسمن ولا يغني من جوع، فلا يصح إلا نقد التراث بالتراث، وتجديد التراث بالطريقة التي جُدد بها على مرِّ الزمان بخدمته وتقريبه وشرحه بما يوافق العصر.

الصفحة السابقة