دفاعًا عن فهم سلف الأمة!
شريف بكري • المنهج السلفي
أيضًا سبق التنبيه أنه ليست العبرة بمن يعتبر من على فهم السلف أو موافق لمذهب السلف، وليست العبرة أيضًا بمجرد الحضور التاريخي في حقبة زمنية فاضلة، وإنما العبرة بدخول الشخص داخل دائرة فهم السلف، فمن ذكرهم الكاتب -غير الدرامي وعبد الله بن أحمد- وقع منهم من مناقضة ما جاء به الرسول، بل ومن الاضطراب داخل مذهبهم نفسه ما يجزم الواقف عليه أن هذا قطعًا مخالف لإجماع من سبقهم من السلف، فتعطيل الصفات واختراع كيفيات لبعض الصفات تناقض الشرع والعقل، وترك النص، واتباع نتاج عقول الكفار والملاحدة، ونبذ خير جيل في هذه الأمة وتكفير عموم المسلمين، أو الحكم بخلود بعضهم في النار؛ هذا لا حكم له إذ الشاذ لا حكم له، ولم يرد عن الصحابة نقل واحد يوافق مذهبًا من تلك المذاهب المخترعة، فاختلاف تلك الطوائف فيما بينها حجة عليهم لا لهم.
قال المعترض:
"الثالث: أن معيار تحديد السلف أصبح مطّاطًا تضيّقه متى تشاء حتى تُخرج أبا حنيفة من السلف الصالح وتجعله في عداد المرجئة، وتمطّه متى تشاء حتى تصل به إلى القرن الثامن الهجري لتدخل فيه ابن تيمية!".
الرد:
هذه تهمة بلا بينة، فلم يقل أحد أن ابن تيمية من السلف، بل كل ما نقوله: إنه موافق لمذهب السلف، أو أنه يسير على منهج السلف، أما الإمام أبو حنيفة فمعدود من أهل السنة والجماعة، نعم خالف معتقد السلف المجمع عليه في قضية الإيمان ووافق فيها شيخه حماد بن أبي سليمان وكلاهما من أئمة أهل السنة والجماعة في العموم، لكن عند التفصيل فهما خالفا سلف الأمة في تلك المسألة.
أيضًا مخالفة حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة ليست كمخالفة المرجئة ولا المتكلمين مثلًا؛ لأن مخالفتهما وقعت بسبب خطأ في فهم بعض نصوص الشرع وليس لانتحالهما مذهبًا كلاميًّا بنيا عليه قولهما هذا، فلا يستويان قطعًا مع المرجئة على اختلاف درجاتهم: كالجهمية والأشاعرة؛ الذين بنوا مذهبهم على منظومة كلامية متكاملة الأركان.
قال المعترض:
"الرابع: قيَّدتم لافتة "سلف الأمة" بقيد الاتِّباع لا التقليد، وفرَّقتم بين الأمرين، فإذا لم تعرفوا وجه دلالة النص عند السلف -وذلك أمر يقصر عنه غالبكم-، تركتم فهم السلف لأفهامكم التي تتسم بالسطحية إلا ما ندر".
الرد:
هذه أيضًا تهمة بلا بينة، ومن تأمل النقاط التي ذكرتُها سابقًا تبيَّن له معنى اتباع فهم سلف الأمة بمفهومه الشامل، وليس المفهوم الضيق الذي ظنه الكاتب.
قال المعترض:
"الخامس: أن هذه الحجية لأقوال السلف تلبسونها متى شئتم وتنزعونها متى شئتم، فحينما تواجهكم بعض نصوص السلف الذين تُقرُّون بإمامتهم -كابن حبان والطحاوي-، تنزعون عباءة اتباع السلف لتقولوا إنهما تأثرا بأهل الكلام والجهمية، وكلٌّ يُأخذ منه ويرد إلا النبي -صلى الله عليه وسلم-! بل إنّكم تفرّقتم إلى طوائف وجماعات متناحرة تُبدِّع كل واحدة الأخرى، وترميها بسهام الضلال، بل والزندقة أحيانًا، وكل فرقة منكم تزعم أنها تفهم الكتاب والسنّة بفهم سلف الأمة!".
الرد:
- راجع النقطة قبل السابقة في مناقشة الكلام في أبي حنيفة -رحمه الله-.
قال المعترض:
"السادس: أن فهم السلف الصالح كاد أن ينحصر في قولهم: (لا تقلدني ولا تقلد مالكًا، ولا الثوري ولا الأوزاعي، خذ من حيث أخذوا)، فأصبح فهم السلف للكتاب والسنة هو الأخذ من الكتاب والسنة دون الرجوع إلى أفهام السلف، أي أن التشبث بفهم السلف الصالح هو عينه دليل مخالفتهم، بل وخرق إجماعهم! ففهم السلف هو = التخلي عن فهم السلف! ودونك عشرات المسائل التي خرق فيها القوم إجماع السلف".
الرد:
المراد من أقوال الأئمة هو إعلاء مرجعية النص وأنه الأصل الذي ينطلقون منه، وليس معناه أنهم في وادٍ والنصوص في وادٍ آخر؛ لذلك نبهوا على ذلك لعلمهم أنهم قد يخفى عليهم نص أو يخطئوا في فهمه أو تخفى عليهم أوجه الدلالة فيه أو يخطئوا في تضعيف أو تصحيح، أو تقديم أو تأخير؛ لأنهم بشر يخطئون كما يخطئ غيرهم ويتخلف عنهم التوفيق أحيانًا، فإذا وقع لهم شيء من ذلك وجب على غيرهم اتباع الأصل الذي ينطلقون منه ووجب على من كانت عنده الملكة أن يبيِّن مخالفتهم للأصل الأول.
فهذا كان تعليقا مختصرًا على النقاط التي ذكرها الكاتب.
