تراجعات طه حسين.. حقيقتها وإلى أي مدى وصلت والدروس المستفادة (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ولكن بعد الاطلاع على كتاب الدكتور "محمود دسوقي" وهو يحكي آخر فترات طه حسين، ظهر لي أن طه حسين في الفترة من 1964 إلى 1973 التي غطاها كتاب محمد الدسوقي، كان بالطبع في أفضل فترات حياته في تسليمه للقرآن وانتمائه للثقافة الإسلامية عمومًا، ولكنه بقيت عنده شكوك وأباطيل، بعضها متعلق بكونه ما زال متعلقًا بأساتذته من المستشرقين، مستشعرًا بالامتنان تجاههم وتجاه زوجته، وبالتالي نجد منه جدالًا في شأن لزوم اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- على العالمين بعد بعثته -صلى الله عليه وسلم-، كما أن لديه شبهات شديدة متعلقة بالسنة وثبوتها، وبفضل الصحابة وعدالتهم، وهذه من القضايا الجسيمة، والانحرافات فيها تمثل أباطيل كثيرة.
وبالرجوع إلى المقالات التي ذكرها الدكتور عمارة يمكننا أن نقول: إن الجوانب التي تحسَّن فيها طه حسين يمكن رصد بدايات تحسنها بداية من 1940 إلى بعد نشر كتاب "مستقبل الثقافة في" مصر بعامين.
ويستثنى من هذا مقال طويل في مدح دعوة شيخ الإسلام "محمد بن عبد الوهاب" نشره سنة 1933، والتفسير الوحيد لي في هذا أن العقلانيين بلا شك كان يسوؤهم ما تفعله الصوفية، ويسوؤهم أكثر أن هذا كان سبة حضارية أمام الغرب، ولم يكن يجرؤ أحد على نقد الصوفية صراحة، وبالتالي فقد تترس معظم العقلانيين في هذه المرحلة مثل الشيخ محمد عبده وغيره بدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وعلى هذا المنوال سار طه حسين.
وبعد هذا الاستعراض السريع لحياة طه حسين الفكرية ننتقل إلى مناقشة أكثر عمومية للقضية عبر النقاط التالية:
س: ماذا عن الأقوال التي بعضها صواب وبعضها خطأ، بيد أنها أقل شرًّا من أقوال سابقة على التوبة؟
والجواب: أنه كان لهذا السؤال قيمة لو كان الرجل حيًّا، فكان يجب علينا حينئذٍ أن نواجهه بأن من شروط توبة من دعا إلى باطل أن يبيِّن، فلا بد أن ينشر الحق بنفس وتيرة نشره للباطل، بل أكثر: ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (البقرة: 160) ، وأما بعد موت الرجل فلا فائدة من طرح هذه السؤال.
س: هل نروي التاريخ على ما نحب أم على ما كان؟ وما الذي نحبه في هذا الباب؟
أما أبواب توبة العصاة والمبتدعة؛ فالذي يجب أن نحبه أن يكونوا قد تابوا ورجعوا، كما كان حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- وحبه لإيمان الناس حتى قال له ربه -عز وجل-: ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ) (الكهف: 6) ، وكما قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- لابنه: "وددت لو أن هؤلاء القوم أطاعوا ربهم ولو أن جسمي قد قرض بالمقاريض".
على أن الأصل في التاريخ أن نحقق مروياته لنقرر ما حدث بالفعل.
ولكننا وجدنا من شيخ الإسلام ابن تيمية تنازلًا عن التحقيق التاريخي الدقيق لصالح قبول ما يقال من حكايات رجوع المبتدعة عن بدعتهم، أو الاعتذار عنهم بأنهم لم يقصدوها، كما اعتذر عن كثير من الصوفية.
والمهم في هذا الباب: أنه حتى ولو كان هناك إجماع على أن أحدًا رجع من البدعة إلى السنة؛ فهذا لا ينبغي أن يعتبر مسوغَ مرور للتساهل مع كتبه التي تنشر البدعة؛ ولذلك لما قيل لبعض العلماء في شأن توبة الزمخشري قال: "إن تاب فما تاب كشَّافه"؛ يعنى من اعتقد توبة أحد من جريمة، فواجبه علينا أن نساعده في منع نسبتها إليه وانتشارها عنه؛ وذلك لأن الكثيرين إن ذكرت له انحرافات أحد المبتدعة؛ قال: إنها مكذوبة عليه، أو أنه تراجع عنها، أو...، ولو بحثنا الأمر فوجدنا أدلة تاريخية على هذا أو حتى تغاضينا عن البحث التاريخي وقبلنا الدعوَى على عواهنها؛ سيبقى أنه في كل الأحوال الواجب الرد على ما خلفه من آثار بدعية.
وأما أن يقرر رجوعه أو أن يتبرأ من كلامٍ له بدعوى أنه مكذوب عليه، ومِن ثَمَّ يطالبون بنشر جميع تراثه؛ فهذا نوع من الخداع الساذج لا يفعله إلا من يستخف بعقل من أمامه.
وفي النهاية يبقى أن بعض من يرجع فإنه أحيانًا يكون في موقع المخلّط الذي ما زال يعلق في قلبه وعقله الكثير من شوائب الماضي، والبعض ينتفض ويصحح ويصبح إمامًا في السنة، وبالتالي فمن نسب له تراجع؛ فليعامل بحاله الجديدة على ما هي عليه.
ويبقى أنه في كثير من الأحيان يكون بيان تراجع رموز الفكر المنحرف بابًا لإنقاذ كثير من المنبهرين بهم وبما خلع عليهم من ألقاب، وبالتالي يجمل إبراز هذا الجانب.
والخلاصة:
إن دعاة التغريب في زماننا لا عذر لهم في اقتفاء آثار طه حسين في التغريب؛ لأنه من قلَّد غيره في الباطل مع وضوح الحق لا ينفعه الاعتذار بالتقليد، ولأن متبوعهم مات يوم مات وهو في طريق العودة من مستنقع التغريب الآسن، بينما هم ما زالوا قابعين هناك تقليدًا له.
وما زال للحديث بقية.
نصحني كثير من مشايخي وإخواني: أن كثيرًا من القُرَّاء قد لا يكونوا قد قرأوا عن طه حسين بشكل وافٍ، فمن الخطورة أن يكون أول ما يطرق مسامع بعضهم دفاعٌ ولو كان جزئيًّا أو محدودًا، وموجهًا بصفة أساسية لمن يقتدون به في أسوأ فترات حياته.
وعلى الرغم من هذا فثمة مخاوف من أن يضعِف هذا روح الممانعة للتغريب والكتب المنظرة له، ومن ثم سأعتبر هذه المقالة هي الأولى في سلسلة نستعرض فيها ما أجملناه من الرد على كتابات طه حسين ثم إثبات المواطن التي ثبت لنا فيها حدوث تحسن عنده، والمواطن التي بقي فيها على انحرافه.
ونسأل الله أن يهدينا إلى ما اختلفوا فيه من الحق بإذنه.
