شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مؤسسة تكوين الفكر العربي (4) صورة الإسلام كما تعرضه مؤسسة تكوين

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

8- كانت الموجات العالمانية في بدايتها إلحادية، وبالتالي أيضًا تم إعادة تفسير النصوص التي تنادي بلعن مَن يخالف عقائدهم أنها نصوص رمزية وقرروا حق الاعتقاد، ومنه أيضا حق الإلحاد (تقدم بيان أن أوروبا في مرحلة تبنيها للنصرانية كانت تعادي الإسلام من منطلق ديني سياسي، ومن تخبطهم أنهم بعد العالمانية يعادون الإسلام من منطلق ديني نصراني، ومن منطلق عالماني، ومن منطلق سياسي).

9- مفكرو العالمانية -كما ذكرنا- بعضهم معادٍ للتدين جملة وتفصيلًا، وبعضهم منشغل جدًّا بالمشترك الديني كنوع من تقديم دين لمن يرغب في التدين بدين لا يسبب حروبًا، ولا يلزم بتصديق أخبار، ولا بطاعات، أو تشريعات. وهؤلاء ينشغلون بتجارب الصوفية باعتبارها نزعة فلسفية وجدت في كل الأمم، بل البصمة النصرانية الرهبانية واضحة فيها جدًّا فهي قريبة من تراث يملكونه، وإن كانوا قد تمردوا عليه!

وهم في ذلك يهتمون أكثر بالصوفية القائلين بوحدة الوجود؛ لأنها في النهاية فكرة إلحادية، ولا يوجد فيها تشريع، وهي فكرة يرى أصحابها أنها جوهر قابل لأن تلبسه قشرة أي دين في مرحلة المجاهدة التي يزعمون أن مَن يقوم بها سينكشف له أن الخلق والخالق شيء واحد؛ تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، وبالتالي فوحدة الوجود هي أقصر الطرق لفكرة وحدة الأديان الشيطانية.

ثم جاءت موجة الاحتلال العسكري، وجاءنا الغرب بمطاعن المستشرقين الأولى جنبًا إلى جنب مع مطاعن العالمانية على دين الكنيسة، زاعمين أن هذه المطاعن تصدق على كل دين، وزاعمين في ذات الوقت أن الطريقة الوحيدة لتفادي هذه المطاعن هي ذات ما فعله الغرب في دينه، فاستغربوا عقولًا من عقول أبناء المسلمين، ووظَّفوهم في الترويج لباطلهم.

ومع بداية اكتشاف الأميركتين في القرن الخامس عشر الميلادي اشرأبت أعناق مفكري الغرب لتكوين غرب مهيمن مسيطر فكريًّا قبل أن يكون عسكريًّا، وبعد صعود نجم الولايات المتحدة الأمريكية ثم بعد انتهاء الحرب الباردة بينها وبين الاتحاد السوفيتي علت جدًّا وتيرة الدعوة الى العولمة، وهي باختصار (الأمركة) سياسيًّا واقتصاديًّا ودينيًّا.

وستجد أن كل الأديان قابلة لأن يصنع بها ما صنعه الغرب في دينه "ما عدا الإسلام"؛ ولذلك ما زال الغرب يُنشئ ويدعم ويساند مؤسسات كثيرة لنشر صورة جديدة من الإسلام بعد إدخال كل أنواع العبث التي أدخلوها على دينهم.

ومن هذه المؤسسات: "مؤسسة راند" على المستوى الدولي، ومؤسسة "مؤمنون بلا حدود" في الوطن العربي، وأخيرًا: الطبعة المصرية منها: "مؤسسة تكوين الفكر العربي"، ولكن هيهات هيهات... فالله ( ‌غَالِبٌ ‌عَلَى ‌أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (يوسف: 21) .

الإسلام كما يعرضه الغرب:

كل ما تقدَّم من أباطيل يريد الغرب أن يصدر لنا وجودها في الإسلام لأسبابٍ، منها:

الأول: أن الغرب ما زال يشعر أنه تاريخيًّا أمة نصرانية، ولا يمكن التنصل من هذا، ومِن ثَمَّ لا يريد أن يعترف بأي تميز للإسلام على النصرانية.

الثاني: أن الغرب يريد منا أن نكون عالمانيين مثله؛ فلا بد من إثبات ذات الأسباب التي أدت لانتشار العالمانية عنده. والغرب يريد منا أن نكون عالمانيين من باب السيطرة الفكرية، ومن باب أنه يعرف ما لدين الإسلام من قوة؛ فإن كان هو قد اختار العالمانية فلا يمكن أن يتركك تنفرد بسبب قوة ومصدر وحدة؛ لا سيما إذا كان متى ترك المسلمون وشأنهم، وتعلُّم دينهم من مصادره؛ فسوف يزدادون تمسكًا به، ولن يجدوا فيه ما ينفِّرهم منه.

ويمكن أن يقال: إن في مرحلة ما قبل العلمانية كان الغرب يريد أن يمنع ويحصن أتباعه من الانبهار بالإسلام، فتركزت جهود المستشرقين على تثبيت أنواع من الكذب على الإسلام ليظهر أن فيه نفس عيوب النصرانية، بل أكثر! ثم في مرحلة العالمانية أبقوا هذه الشبهات وأضافوا إليها ليقرروا حاجتنا إلى العالمانية كما احتاجوا هم إليها.

أمثلة مِن فكر رموز مؤسسة تكوين:

1- بالنسبة لما تقدم طرحه من تنظير الغرب لقبول الإلحاد، فإن مركز تكوين يضم كتابًا يصرحون بإلحادهم (عامة ما يطرح في تكوين إلحاد بمعناه الشرعي من الميل والعدول عن الحق إلى الباطل، ولكن نعني هنا أنهم ينصرون الإلحاد بمعناه الاصطلاحي، وصورته الأكثر وضوحًا، وهي إنكار وجود خالق!).

2- أما وحدة الوجود فيدافع عن القائلين بها: يوسف زيدان، وفراس السواح!

3- وأما زمالة الأديان "بالذات اليهودية والنصرانية" مع الإسلام (وتجري محاولات للدمج بينهم -والعياذ بالله- تحت مسمَّى: الدين الإبراهيمي!)؛ فأمر يدندن حوله كثيرٌ منهم، بل بلغ السفه بإبراهيم عيسى أن يتغزل بالبقرة مطالبًا منا ألا نسخر من عبدة البقر!

4- وأما التشجيع على القول بأن القرآن كتاب رمزي، فيوسف زيدان، وفراس سواح شديدا الثناء على إخوان الصفا (وهي جماعة باطنية تعامل القرآن على أنه كتاب رمزي، وزيادة على هذا: أنها كتبت رسائلها بطريقة رمزية أيضًا؛ لتتلاشى أهمية استعمال اللغة تمامًا)، كما وصف يوسف زيدان صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- بأنه أسوأ شخصية في التاريخ لقضائه على الدولة الباطنية المسماة زورًا: بالفاطمية! وكتب بعضهم قدحًا في صلاح الدين؛ لأمره بقتل السهروردي أحد القائلين بوحدة الوجود.

5- وأما التشكيك في الوحي أيضًا فيتبناه بعضهم، ومن ذلك: دعوى أن القرآن المكتوب ليس هو بعينه الذي نزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- (وهذا يردده محمد أركون، ويسميه أنسنة الوحي، ومؤسسة تكوين تنشر دراسات لتلاميذ محمد أركون!).

وجدير بالذكر: أن هذه الشبهة مجاب عنها بالتفصيل في كتب علوم القرآن.

وجدير بالذكر أيضًا: الإجماع على كفر من قال بهذا.

6- ومن ذلك: دعوى أن القرآن يحتوي على أساطير، كما يصرِّح بهذا فراس سواح "عضو مجلس أمناء مؤسسة تكوين"، وأيضًا لا يخفى الإجماع على كفر من قال بهذا.

هذا وقد ردَّده إسلام البحيري ضمنًا، حينما أعاد التمثيل بكتاب: "في الشعر الجاهلي" لطه حسين؛ رغم أن الأزهر كفَّره بسببه، ثم قام بسحبه -كما تقدم في مقالات سابقة-.

7- وكذلك دعوى أن القرآن تراث رمزي، وهذا يردده محمد أركون والجابري، وتلاميذهما من تكوين.

الصفحة السابقة الصفحة التالية