فمن يَعِظُ العاصينَ بعد محمدٍ؟
الشيخ محمد إسماعيل المقدم • التزكية
إن الوعيد في النصوص المذكورة آنفًا ليس على الأمر بالمعروف، ولكن على ارتكابه المنكرَ عالمًا بذلك؛ لأن الأمر بالمعروف خيرٌ في حد ذاته؛ قال الله -تعالى-: ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) (المائدة:78، 79) .
فقوله -تعالى- هنا: ( كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ ) أي: لا ينهي بعضُهم بعضًا، ( لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) ذمٌّ لتركهم النهيَ، وكذا مَن بعدهم يُذَمُّ مَن فعل فِعْلَهم.
وقال الإمام ابن عطية -رحمه الله-: "وقال حُذَّاقُ أهل العلم: ليس من شروط الناهي أن يكون سليمًا من المعصية، بل ينهى العصاةُ بعضُهم بعضًا. وقال بعض الأُصوليين: فَرْضٌ على الذين يتعاطَوْنَ الكؤوسَ أن ينهى بعضُهم بعضًا، واستدل قائلُ هذه المقالةِ بهذه الآية؛ لأن قوله: ( يَتَنَاهَوْنَ )، و( فَعَلُوهُ ) يقتضي اشتراكَهم في الفعل، وذَمَّهم على تركِ التناهي" (المحرر الوجيز) .
وقد علَّق الإمام البيهقي -رحمه الله- على حديثٍ ضعيفٍ سندًا، صحيحٍ معنًى، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مُروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كلِّه، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كلِّه"، فقال رحمه الله: "إن صَحَّ هذا لم يُخالف ما مضى، فإنه -أي: هذا الحديث- فيمن يكون الغالب عليه الطاعة، وتكون المعصية منه نادرة ثم يتداركها بالتوبة، والأول -أي: المذكور في حديثي أسامة وأنس- فيمن يكون الغالب عليه المعصية، وتكون الطاعة منه نادرة، والله أعلم" (شعب الإيمان) .
وقال العلامة الأمير الصنعاني -رحمه الله- في شرح الحديث نفسه: "(مروا بالمعروف وإن لم تفعلوه): فإن الأمر به واجب، وفعلَه واجب، وترك أحد الواجبين لا يُسقِط الواجبَ الآخر.. (وانهوا عن المنكر) عن كل منكر. (وإن لم تجتنبوه كلَّه)؛ إذ من جملة المنكر تركُ النهيِ عنه، ولا يترك نهيًا لغيره؛ لأنه لا يتركه، ولا أمرًا بمعروف؛ لأنه لا يفعله، إذ لا ملازمة، نعم هذا قبيح به أن يأمر بما لا يفعله، وينهى عما يفعله، فإنه داخل تحت قوله -تعالى-: ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ ) (البقرة:44) ، وغيرها إلا أنه لا يُسْقِطُ عنه الواجبَ الآخر إخلالُه بأحد الواجبين" (التنوير) .
وقال الحافظ ابن رجب -رحمه الله- بعد أن بيَّن أهميةَ عملِ الواعظ بموعظته: "ومع هذا كلِّه، فلا بدَّ للناس من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والوعظ والتذكير، ولو لم يعظ الناسَ إلَّا معصومٌ من الزلل؛ لم يعظ بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحدٌ؛ لأنَّه لا عصمة لأحد بعده:
لئن لم يعظِ العاصينَ من هو مذنِبٌ فمن يَعِظُ العاصينَ بعد محمدِ"
(لطائف المعارف).
وعن مالكٍ عن ربيعة، قال سعيد بن جبير: "لو كان لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء؛ ما أمر أحد بمعروف، ولا نهى عن منكر"، قال مالك: "وصدق، ومن ذا الذي ليس فيه شيء؟".
من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقطْ
وعن الحسن البصري- رحمه الله- قال: "أيها الناس، إني أعظكم ولست بخيركم ولا أصلَحَكُم، وإني لكثير الإسراف على نفسي، غيرُ مُحْكِمٍ لها ولا حاملها على الواجب في طاعة ربها، ولو كان المؤمن لا يعظ أخاه إلا بعد إحكامِ أمرِ نفسِه لَعُدِمَ الواعظون، وقلَّ المُذَكِّرون...".
وقال الحسن لمُطَرِّفِ بن عبد الله -رحمهما الله-: "عِظْ أصحابَكً. فقال مطرف: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل، قال الحسن: يرحمك الله، وأيُّنا يفعل ما يقول؟ يَوَدُّ الشيطانُ لو ظَفِر بهذا؛ فلم يأمر أحدٌ بمعروف، ولم ينه أحد عن منكر".
وقال بعض الصالحين: "إني لآمركم بالشيء ولا أعمل به، رجاء أن أُؤْجَرَ فيه".
وقال الإمام النووي -رحمه الله-: "قال العلماء: ولا يُشترط في الآمر والناهي أن يكون كاملَ الحال، ممتثلًا ما يأمر به، مجتنبًا ما يَنهى عنه، بل عليه الأمرُ وإن كان مُخِلًّا بما يأمر به، والنهيُ وإن كان متلبسًا بما ينهى عنه؛ فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسَه، وينهاها، ويأمرَ غيرَه وينهاه؛ فإذا أخَلَّ بأحدهما؛ كيف يُباحُ له الإخلالُ بالآخَر؟!" (شرح النووي) .
