المؤمنون بين الاستضعاف والتمكين (1)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
نجَّى الله موسى -عليه السلام- بقدرته عندما أوحى الله إلى أمه: ( أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (القصص:7) ، ولنتأمل في حكمة الله -تعالى- فيما هيأه لبني إسرائيل بعد أكثر من 40 سنة، هيأ لها نصرًا وتمكينًا بدأ بولادة في عام الخطر والقتل، ولادة يُخشى منها، ولادة مَن لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا يملك له أهله شيئًا، رميه في البحر مفسدته أقل من مفسدة حضنه في بيت أبيه وأمه! ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ . فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ) (القصص:7-8) ، منة من الله -عز وجل -على موسى -عليه السلام-، ومنة سابقة منه -عز وجل -على بني إسرائيل، وهو يريد -عز وجل- نجاتهم على يد موسى -عليه السلام-، وقبل أن يذكر الله -عز وجل- نجاتهم وقبل أن تقع هذه النجاة بـ40 سنة أو أكثر، قال -تعالى-: ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) (القصص:5-6) ؛ وقع ما كانوا يخافون منه ويحذرون، فالحذر لا يغني عن القدر ( إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ) (القصص:8) .
كبر موسى -عليه السلام- في بيت فرعون بحرمان ظاهر كان سببًا في عطاء مستمر: ( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ )، أتوا بالمرضعات يريدون أن يرضعن موسى -عليه السلام-، وموسى -عليه السلام- يأبى، يوشك أن يهلك، والحقيقة أن الحياة تكتب له بهذا الحرمان ( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ . فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) (القصص:12-14) ، فإذا كنتَ تريد الحكم والعلم في مواطن الشبهات والفتن فأحسن في عبادة الله ( وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ )، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وأن تحسن في معاملة الخلق ( وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) ، وحُسْن الخلق حتى مع الكفار يثمر ثمرات عجيبة!
ولننظر كيف أثمر تعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة الذي أسرته خيل المسلمين؟ ربطه النبي -صلى الله عليه وسلم- في المسجد ثلاثة أيام لا يكلمه في شيء إلا: "( مالك يَا ثُمَامُ هَلْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْكَ؟ ) فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تَعْفُ تَعْفُ عَنْ شَاكِرٍ، وَإِنْ تَسْأَلْ مَالاً تُعْطَهُ، فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَتَرَكَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ مَرَّ بِهِ، فَقَالَ: مالك يَا ثُمَامُ؟ قَالَ: خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تَعْفُ تَعْفُ عَنْ شَاكِرٍ. وَإِنْ تَسْأَلْ مَالاً تُعْطَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
قَالَ أَبُو هُرْيَرَةَ: فَجَعَلْنَا الْمَسَاكِينُ نَقُولُ بَيْنَنَا: مَا نَصْنَعُ بِدَمِ ثُمَامَةَ؟ وَاللَّهِ لأَكْلَةٌ مِنْ جَزُورٍ سَمِينَةٍ مِنْ فِدَائِهِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ دَمِ ثُمَامَةَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ مَرَّ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ( مالك يَا ثُمَامُ؟ ) قَالَ: خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تَعْفُ تَعْفُ عَنْ شَاكِرٍ، وَإِنْ تَسْأَلْ مَالاً تُعْطَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَطْلِقُوهُ قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ يَا ثُمَامُ ).
فَخَرَجَ ثُمَامَةُ حَتَّى أَتَى حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ فَاغْتَسَلَ فِيهِ وَتَطَهَّرَ، وَطَهَّرَ ثِيَابَهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- وهو جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، لَقَدْ كُنْتُ وَمَا وَجْهٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، وَلا دِينٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، وَلا بَلَدٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، ثُمَّ لَقَدْ أَصْبَحْتُ وَمَا وَجْهٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، وَلا دِينٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، وَلا بَلَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ " (أسد الغابة لابن الأثير، وأصله في الصحيحين) .
