الأركيولوجيا.. مطية الإلحاد
شحات رجب البقوشي • قضايا معاصرة
وبخصوص السؤال الأول: فإن الأركيولوجيا ليس لديها القدرة على إعطاء صورة كاملة للماضي لعدَّة أسباب:
1- الشواهد الأركيولوجية سواء آثار أو حفريات هي عبارة عن القدر المتبقي المتاح من الماضي، وليس الماضي كله، وقد تعرضت هذه الشواهد عبر الزمان لعوامل طبيعية، مثل: التعرية والتجوية متمثلة في الرياح، والفيضانات والسيول، والنحت والطمر، وتعرضت أيضًا للعوامل البشرية متمثلة في الهدم وإعادة البناء والاستزراع، والسرقة، وغيرها، فالقدر المتاح من الآثار لا يعطي صورة إلا بقدر حجمه تقريبًا.
2- الشواهد الأركيولوجية في الغالب تكون أشياء مادية؛ أدوات أو مبانٍ أو تماثيل، والأنبياء لم يكن لهم اهتمام بهذا الجانب المادي، إنما كان أثرهم معنويًّا "عقديًّا وغيبيًّا"؛ فكيف تظهر الأركيولوجيا هذا الجانب؟ إنما تظهر من خلال الوحي المُنزَّل على الأنبياء.
3- الذي صنع الشواهد والآثار والنقوش إنما هم الملوك وأتباعهم، وهم في الغالب كانوا معادين للأنبياء؛ فلا يعقل أن يسجل الملوك على حوائط قصورهم ومعابدهم مآثر الأنبياء وهم أعداء لهم.
4- لم ينتهِ الأركيولوجيون من مسح الأرض كلها بالتنقيب والحفر لاكتشاف الآثار، بل يقومون أحيانًا بعمليات الحفر في مكانٍ ما، ولا يكتشفون شيئًا، ويتم الحفر في مكان آخر لأعمال بناء عادية فيتم اكتشاف آثار لم تكن في الحسبان، فلم يغطِّ الأركيولوجيون جميع الأرض حتى تعطي نتائجهم صورة كاملة عن التاريخ.
5- كثير من الآثار تعرضت للتزوير قديمًا وحديثًا، حسب أمور أيديولوجية، منها على سبيل المثال في عام 1912 أعلن عالم الآثار البريطاني "تشارلز دوسون" اكتشافه لجمجمة ما سمَّاه: "الإنسان الأول" (البلتداون)، وعمرها 500 ألف سنة، وهذا الاكتشاف دعم بشدَّة الدارونية، ونال مكتشفه جوائز وشهادات، لكن في عام 1953م تم اكتشاف أن هذه الجمجمة قد تم تزويرها والتلاعب بها عمدًا؛ حيث إن الفك السفلي هو لقرد عادي عاش قبل 40 سنة تم تركيبه محل الفك الأصلي في الجمجمة التي اكتشف أن عمرها لا يزيد عن 600 عام فقط.
6- بالرغم من قلة ما يُكتشف من آثار؛ إلا أن كثيرًا من الآثار المكتشفة هي آثار صامتة تحتاج تفسيرًا، فليس كل المكتشف له تفسيرٌ وتُفهم دلالته.
7- بعض النقوش القديمة جاءت تحكي أحداثًا بعد مرورها بقرون طويلة، فتخضع لميول صانعيها، وتفتقد إلى قدر كبير من الدقة.
8- ظاهرة الفراغ الأركيولوجي وهي الفترات الزمنية التي لم يقف الباحثون بعد على شواهد أركيولوجية لها بخلاف الفترة السابقة واللاحقة لها؛ مما يعطي انطباعًا أن آثار هذه المدة قد أعدمت بفعل الإنسان، وقد وجد مثل هذا الفراغ في الآثار الأشورية في المدة التي يُنسب إليها يونس -عليه السلام-.
أمَّا السؤال الثاني: هل فعلًا لا توجد شواهد أركيولوجية تدعم ما حدث به القرآن؟ الإجابة: لا، فرغم ما ذكرناه من نقاط سابقة إلا أن هناك بعض الشواهد الأركيولوجية التي وقف العلماء عليها عرضًا تؤكد ما جاء في القرآن، وأقول عرضًا لعدم حاجة المسلمين لمثل هذه الشواهد، فالوحي عندنا أعظم دليل على قصص الأنبياء، ومن هذه الشواهد:
1- لوحة مرنبتاح المكتشفة عام 1896م والمحفوظة بالمتحف المصري، جاء فيها ذكر لاضطهاد فرعون لبني إسرائيل في مصر.
2- النقوش السومرية وملحمة جلجماش، وغيرها تحكي طوفانًا كبيرًا وقع بأرض الرافدين، وتستطرد في سرد ملوك ما قبل الطوفان، وهذا شاهد أركيولوجي على وقوع طوفان نوح -عليه السلام-، مع اختلاف في بعض التفاصيل، قد يكون سببه تسجيل القصة بعد حدوثها بزمانٍ.
وغير هذا من الشواهد الأركيولوجية على وجود الأنبياء تجدها في كتاب "الوجود التاريخي للأنبياء" للدكتور سامي العامري.
الخاتمة:
من العرض السابق يتبيَّن أن الأركيولوجيا كعلم يُعد أحد روافد التاريخ، ولا يجوز اختزال التاريخ كله فيه، وهذا العلم نشأ كعلم خادم لبقية العلوم؛ إلا أن اللا دينيين قد أرادوه مطيَّةً لهم إلى إلحادهم، ووسيلة لنقد الكتاب المقدس، ثم أكمل مسيرتهم مروجو الإلحاد من العرب، فسحبوا هذا على القرآن الكريم، ويعدون جهلهم دليلًا على العدم، فطالما قصرت أيديهم عن الوقوف على آثار الأنبياء، فوجود هؤلاء الأنبياء -بزعمهم- وهم، وقصصهم أساطير.
ووجود الأنبياء السابقين الذين اندرست آثارهم أمر غيبي، وركن من أركان الإيمان، لم يُجعل الإيمان به معلَّقًا بآثار قد تتلف مع الزمن، أو تزوَّر أو تخفى، أو يُساء تفسيرُها، إنما الإيمان معلَّق بما جاء به الوحي، من القرآن والسنة.
