المؤمنون بين الاستضعاف والتمكين (2)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
وسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها نفس الأمر، فكان يمر على ياسر وسمية وعمار -رضي الله عنهم- وهم يعذبون، بل تقتل سمية -رضي الله عنها- بحربة في موضع عفتها، لكنه -صلى الله عليه وسلم- لا يملك لهم إلا أن يقول: ( صَبْرًا آلَ يَاسِر فَإنَّ مَوْعَدَكُمْ الجَنَّةُ ) (رواه الحاكم وأبو نعيم في الحلية، وقال الألباني: حسن صحيح) ، وفي الحديبية كان معه 1400 مسلم ووعد من الله: ( وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا . سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ) (الفتح:22-23) ، ومع ذلك يقول: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ) (رواه البخاري) .
فلا بد من النظر إلى المآلات، وهل فيمَ نفعله تعظيم لحرمات الله أم تضييع لها، وهل في ذلك مصلحة للدين أم تضييع له؟ وقد قَبِل -صلى الله عليه وسلم- شروطًا ظالمة جائرة ليتمم الصلح الذي قال عنه عمر -باجتهاده الخاطئ في تلك اللحظة- للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَهُمْ عَلَى البَاطِلِ؟ أَلَيْسَ قَتْلاَنَا فِي الجَنَّةِ، وَقَتْلاَهُمْ فِي النَّارِ؟! قَالَ: ( بَلَى )، حق محض وباطل محض، ليس حق معه باطل، وباطل ليس معه حق، ليس معهم من الحق حتى لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال عمر: "فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ، وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا؟!" فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا ابْنَ الخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا ) (متفق عليه) ، ويقبل -صلى الله عليه وسلم- أن يرد أبا جندل بن سهيل تنفيذًا للعهد -رغم أنهم قد يفتنونه في دينه!- وقد أتى سيرًا 17 كيلومترًا يرسف في قيوده، وهو مسجون مظلوم ينادي على المسلمين: " يَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، أَتَرُدُّونَنِي إِلَى أَهْلِ الشِّرْكِ، فَيَفْتِنُونِي فِي دِينِي ؟ !"، فيقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا أَبَا جَنْدَلٍ اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّهَ -عز وجل- جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا ) (رواه أحمد بسند حسن) ، ليكون الفتح المبين ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) (الفتح:1) .
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
