المؤمنون بين الاستضعاف والتمكين (3)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
ولذلك أتت الشريعة الإسلامية بأن يحسب المسلمون قوتهم وقوة عدوهم، وأن ينصرفوا من معركة يعلمون أنهم مقتولون فيها من غير إحداث نكاية في العدو الكافر المشرك -وكانت لا فائدة منها-؛ ليعدوا عدة جديدة ( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (الأنفال:65، 66) .
وقد نقل العلماء الإجماع على أن المسلمين إذا كانوا في قوتهم أقل من نصف عدوهم وعلموا أنهم مقتولون من غير إحداث نكاية، فإنهم يجب عليهم الانصراف ويحرم عليهم القتال؛ لأنهم يجب عليهم أن يحفظوا "رأس المال" لعدة جديدة، ويتحيزوا إلى فئة -ولو في مستقبل قريب-، و ( أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ وَأَنَا فِئَتُكُمْ ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الحافظ ابن حجر، وصححه الشيخ أحمد شاكر) ، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن عادوا مع خالد بن الوليد -رضي الله عنه- في غزوة مؤتة حين أقدم الشهداء الثلاثة الأبطال: زيد بن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة -رضي الله عنهم- على معركة ظنوا إمكان نجاحها، ثم تبيَّن لخالد بعد دراسة الواقع أن العدد والقوة لا تحتمل ذلك بعد أن قتل القادة الثلاثة شهداء عند الله.
ومع ذلك درس خالد بن الوليد -رضي الله عنه- الواقع دراسة صحيحة، وقرر الانسحاب التدريجي؛ لأن المعركة غير متكافئة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ عَلَيْهِ، وَمَا يَسُرُّنِي، أَوْ قَالَ: مَا يَسُرُّهُمْ، أَنَّهُمْ عِنْدَنَا ) (رواه البخاري) .
تأمل في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( فَفُتِحَ عَلَيْهِ ) فتح من جنس فتح الحديبية! أهو فتح يا رسول الله؟! نعم، فتح المحافظة على رأس المال، فتح الإعداد لمرحلة قادمة، خمس سنوات فقط ثم كان خالد بن الوليد -رضي الله عنه- يقدم على فتح بلاد الشام كلها "معقل الروم عاصمة قيصر" ويأخذها المسلمون، والنبي -صلى الله عليه وسلم -لما تألم المسلمون نفسيًّا وقالوا: " نَحْنُ الْفَرَّارُونَ "، وكان ضغطًا نفسيًّا هائلًا، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ وَأَنَا فِئَتُكُمْ )، وهكذا فلتكونوا إخوة الإسلام.
ونحن نتألم، ولكن في الألم رحمة، ويقع ما نكره، ولكن يجعل الله بعده ما نحب، ويحصل الضرر للأمة، ولكن يجعل الله فيما يقع خيرًا كثيرًا بإذنه -سبحانه-.
