شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الكبائر (43) النمص والوصل والوشم (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- بداية.. المسلم مستسلم لأمر ربه ونهيه؛ سواء ظهرت له الحكمة أو لم تظهر: قال الله -تعالى-: ( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ) (النور: 51) .

- قال القرطبي: "اختلف في المعنى الذي نهي لأجلها؛ فقيل: لأنها من باب التدليس. وقيل: من باب تغيير خلق الله -تعالى-، كما قال ابن مسعود، وهو أصح، وهو يتضمن المعنى الأول. ثم قيل: هذا المنهي عنه إنما هو فيما يكون باقيًا؛ لأنه من باب تغيير خلق الله -تعالى-، فأما ما لا يكون باقيًا: كالكحل، وما تتزين به النساء؛ فقد أجاز العلماء ذلك" (تفسير القرطبي) .

(4) عقوبة فاعل هذه المنهيات؟

- هو مذموم، مخالف لما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-: قال الله -عز وجل-: ( وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر: 7) .

- هو ملعون من الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ يمشي في الدنيا تطارده لعنة الله وغضبه عليه، ثم يكون عقاب لازم اللعن في الآخرة أشد؛ فكيف إذا جمع الفاعل بين أكثر من منهي من هذه المنهيات؟ بل إذا الفاعل رجلًا؟! قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ والمُوتَشِمَاتِ، والمُتَنَمِّصَاتِ، والمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ".

(5) ملخص كلام العلماء في حكم عمليات التجميل:

- عمليات التجميل التي تعمل لإزالة عيب أو تشوه ما؛ الأصل فيها الجواز والإباحة، وذلك من يسر الشريعة وتخفيفها على الناس (2) : فعن عرفجة بن أسعد -رضي الله عنه- قال: "أُصيبَ أنفي يومَ الكِلابِ في الجاهليَّةِ، فاتَّخَذتُ أنفًا من ورِقٍ فأنتنَ عليَّ، فأمرَني رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أن أتَّخِذَ أنفًا من ذَهَبٍ" (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .

- وأما التجميل الزائد، وهو ليس من أجل إزالة العيب، بل لزيادة الحسن، فهو محرم لا يجوز (3) ؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "لعن النامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة"؛ " ولما في ذلك من إحداث التجميل الكمالي، وليس لإزالة العيب" (انظر كلام الشيخ ابن عثيمين - فتاوى علماء البلد الحرام) .

خاتمة:

- أباح الإسلام للمرأة أن تتزين لزوجها بكل ما تستطيعه من أنواع الزينة المباحة التي لم يرد نص بمنعها وتحريمها؛ روى الإمام أحمد في المسند عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: كَانَتْ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ تَخْتَضِبُ وَتَطَّيَّبُ، فَتَرَكَتْهُ، فَدَخَلَتْ عَلَيَّ، فَقُلْتُ لَهَا: ‌أَمُشْهِدٌ ‌أَمْ ‌مُغِيْبٌ؟ فَقَالَتْ: مُشْهِدٌ كَمُغِيْبٍ، قُلْتُ لَهَا: مَا لَكِ؟ قَالَتْ: عُثْمَانُ لَا يُرِيدُ الدُّنْيَا وَلَا يُرِيدُ النِّسَاءَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَلَقِيَ عُثْمَانَ فَقَالَ: ( يَا عُثْمَانُ، أَتُؤْمِنُ بِمَا نُؤْمِنُ بِهِ؟ )، قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ( فَأُسْوَةٌ مَا لَكَ بِنَا ) (رواه أحمد، وقال محققو المسند: صحيح لغيره) .

- فليتق الله كل مسلم ومسلمة، ولا يعرض نفسه للعن الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وغضب الله وعقابه، وعنده الحلال المباح، الموافق للفطرة السليمة: قال الله -تعالى-: ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ ‌لَا ‌يُحِبُّ ‌الْمُسْرِفِينَ ) (الأعراف: 31) ، وقال -تعالى-: ( ‌قُلْ ‌مَنْ ‌حَرَّمَ ‌زِينَةَ ‌اللَّهِ ‌الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (الأعراف: 32) .

فاللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هل يجوز النمص تزينًا للزوج؟

- ذهب بعض الشافعية إلى جواز النمص بقصد التزين للزوج؛ وذلك لكمال الإحصان، واحتجوا بأثر عن امرأة أبي إسحاق أنها دخلت على عائشة -رضي الله عنها-، وكانت شابة يعجبها الجمال، فقالت: المرأة تحف جبينها لزوجها؟ فقالت: "أميطي عنك الأذى ما استطعت" (ضعيف جدًّا؛ أخرجه عبد الرزاق في المصنف، وقال الدارقطني عن العالية -امرأة أبي إسحاق-: مجهولة، لا يُحتَجُّ بها). والصحيح مذهب جماهير العلماء من تحريمه على الإطلاق؛ لحديث ابن مسعود المرفوع المتقدم، وقد أطلق النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه التحريم ولم يقيده بالزوج، ولا غيره، وحديث عائشة -رضي الله عنها- لو صح؛ فهو محمول على شعر الجبين والخدين إذا ظهر للمرأة.

(2) كإزالةُ آثار الحروق والتشوهاتِ الناتجةِ عن الحوادث، وتتميمِ الأذن الناقصة، وإزالةِ البُقع المشوهةِ في الوجه، وكذا آثار البرص؛ فهذا كلُه لا بأس به؛ لأنه ليس تغييرًا للخلقة الطبيعية التي يريد صاحبها من خلالها التجملَ والتحسين، وإنما يريد إزالةَ ضرر وعيب قد يمنعه من النكاح، وقد يمنعها من الخطاب، ومن الرحمة في الشريعة بالبشرية: أنه لا ضرر فيها، بل إنها تحث على ما فيه منفعة للإنسان في دنياه وآخرته.

(3) كتصغير ثدي أو تكبيره أو رفع للأنف أو شد للوجنتين أو تضخيم للشفتين، ونحو ذلك! ويلحق بهذه الأشياء من الحرمة ما استحدث من رموش صناعية، وأنواع الطلاء التي صنعت لمثل ذلك، ومنها شد جلد الوجه بإجراء عملية جراحية أو بمواد كيميائية تؤدي إلى ظهور المرأة بأنها أصغر سنًّا وأكثر شبابًا، وهذا أيضًا نوع من التزوير والخداع والغش، وعدم الرضا بما خلق الله الخلق عليه وفطره عليه.

الصفحة السابقة