شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مكارم الأخلاق (1) فضل حسن الخلق (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- كان -صلى الله عليه وسلم- لا يسأله أحد من الناس شيئًا إلا بذله له ولو كان في أشد الحاجة إليه: عن سهل بن سعد -رضي الله عنه-: أن امرأةَ جاءت إلى رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِبُرْدَةٍ مَنسُوجَةٍ، فقالت: نَسَجتُها بيديَّ لأَكْسُوَكَها، فأخذها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- محتاجًا إليها، فخرجَ إلينا وإنها إزارُهُ، فقال فلانٌ: اكسُنِيها ما أحسَنَها! فقال: ( نَعَمْ )، فجلسَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في المجلسِ، ثم رجع فطَوَاها، ثم أرسلَ بها إليه، فقال له القومُ: ما أحسَنتَ! لبسها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- محتاجًا إليها، ثم سألته وعَلِمتَ أنه لا يَرُدَ سائلًا، فقال: "‌إِنِّي ‌وَاللَّهِ ‌مَا ‌سَأَلْتُهُ ‌لِأَلْبَسَهَا، ‌إِنَّمَا ‌سَأَلْتُهُ ‌لِتَكُونَ ‌كَفَنِي"، قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. (رواه البخاري) .

2- موقف في الوفاء:

- كان -صلى الله عليه وسلم- يحفظ لأم المؤمنين خديجة -رضي الله عنها- معروفها وحسن عشرته معه بعد أن توفاها الله -تعالى-: فقد صحَّ عنه أنه لما استأذنت عليه هالة بنت خويلد -أخت خديجة-رضي الله عنها- عرفها لتشابه صوتهما، فقال: (اللهم هالة)، وهو مرتاح لذلك، تذكرًا وحبًّا لخديجة. وكان كثيرًا ما يذكر خديجة، ويقول: "لقد كانت وكانت"، وعندما سمعت ذلك أمّ المؤمنين عائشة غارت، وقالت: مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ -عز وجل- بِهَا خَيْرًا مِنْهَا، قَالَ: ( مَا أَبْدَلَنِي اللهُ خَيْرًا مِنْهَا؛ قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي ‌إِذْ ‌كَذَّبَنِي ‌النَّاسُ، ‌وَوَاسَتْنِي ‌بِمَالِهَا ‌إِذْ ‌حَرَمَنِي ‌النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللهُ عز وجل وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ ) (رواه البخاري ومسلم وأحمد واللفظ له) .

3- موقف في الرفق والحكمة:

- كان النبي -صلى الله عليه وسلم- حريصًا على تعليم المسلمين باللين والحسنى، لا سيما من كان منهم حديث العهد بالإسلام: فبينما كان مع أصحابه في المسجد، إذا بأعرابيّ جاء على بعير أناخه، ثمّ اتجه إلى ناحية من نواحي المسجد وبال فيه؛ فثار الصحابة الكرام لمّا رأوا الأعرابي يبول في المسجد، فحاولوا أن ينهروه ويثنوه عن فعله؛ إلا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهاهم عن ذلك، وبعد أن أنهى الأعرابي بوله دعاه النبي -صلى الله عليه وسلم- ليأتي إليه، ثم أرشده باللين قائلًا: ( ‌إِنَّ ‌هَذِهِ ‌الْمَسَاجِدَ ‌لَا ‌تَصْلُحُ ‌لِشَيْءٍ ‌مِنْ ‌هَذَا ‌الْبَوْلِ ‌وَلَا ‌الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ، وَالصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ )، ثمّ أمر أحد الصحابة فنضح البول بدلو من الماء ليزيل النجاسة، فما كان من الأعرابي إلا أن قال: "اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِمُحَمَّدٍ، ‌وَلَا ‌تَغْفِرْ ‌لِأَحَدٍ مَعَنَا!"؛ وهذا لعظيم تأثره بأخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- وعظيم مراعاته لحاله.

4- موقف في العفو والرحمة:

- في السنة الثامنة من الهجرة نصره الله -تعالى- على كفار قريش، ودخل -صلى الله عليه وسلم- مكة فاتحًا منتصرًا، وأمام الكعبة المشرفة وقف جميع أهل مكة، وقد امتلأت قلوبهم رعبًا وهلعًا، وهم يفكرون فيما سيفعله معهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد أن تمكن منهم، ونصره الله عليهم، وهم الذين آذوه، وأهالوا التراب على رأسه، وحاصروه في شعب أبي طالب ثلاث سنين، حتى أكل هو ومن معه ورق الشجر، بل وتآمروا عليه بالقتل -صلى الله عليه وسلم-، وعذبوا أصحابه أشد العذاب، وسلبوا أموالهم وديارهم، وأجلوهم عن بلادهم، ومع كل ذلك قابل -صلى الله عليه وسلم- كل تلك الإساءات بموقف أخلاقي كريم في العفو -يليق بمن أرسله الله رحمة للعالمين-، فقال لهم: "ما ترون أني فاعل بكم؟! قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء" (رواه البيهقي) . ولما قال رجل من المسلمين: اليوم يوم الملحمة، قال -صلى الله عليه وسلم- له: "بل اليوم يوم المرحمة!".

خاتمة:

- ومع كل هذه الأخلاق الكريمة، كان -صلى الله عليه وسلم- يسأل الله -تعالى- حسن الخلق! فقد كان -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( ‌اللهمَّ ‌كَمَا ‌حَسّنْتَ ‌خَلْقِي ‌فَحَسّنْ ‌خُلقِي ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وفي دعاء الاستفتاح الطويل كان -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( ‌وَاهْدِنِي ‌لِأَحْسَنِ ‌الْأَخْلاقِ، ‌لَا ‌يَهْدِي ‌لِأَحْسَنِهَا إِلا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلا أَنْتَ )، فمن أحوج إلى ذلك عباد الله؟!

- نحن والله أحوج الى السؤال والتحلي بحسن الخلق، ومكارم الأخلاق؛ لا سيما في هذه الأيام التي ذهبت فيها كثير من مكارم الأخلاق عند كثير من الناس! نحن والله أحوج إلى نشر الأخلاق الحسنة، والترغيب في التحلي بها.

- ومن هذا الباب: ستكون لنا كلمات وعظية حول بعض الأخلاقيات التي ننشدها في حياتنا ومجتمعاتنا، نقف في كل موعظة منها على خُلُق من الأخلاق الكريمة بالبيان والترغيب؛ عسى الله أن يرزقنا والمسلمين حسن الخلق.

فاللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

الصفحة السابقة