مكارم الأخلاق (3) الغَيْرَة على الحريم (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- الغَيْرَة على الحريم كانت سببًا في تحريك الجيوش، وبذل النفوس؛ حيث كانت سببًا في غزوة بني قينقاع: ذكر ابن هشام في السيرة: "كان أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ هناك منهم، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها، فصاحت المرأة، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديًّا فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ اهل المسلم المسلمين على اليهود، فأغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع" (السيرة النبوية لابن هشام) .
- الغَيْرَة على الحريم كانت سببًا في فتح عمورية (أعز بلاد الروم): وقعت هذه المعركة بين المسلمين بقيادة المعتصم الخليفة العباسي وبين الروم، وذلك بعد أن استنجدت امرأة بالمعتصم فصرخت: "وامعتصماه"، فسمع المعتصم بالخبر وجهز جيشًا وفتح عمورية، وقيل له: إن امرأة هاشمية من الأسرى صرخت عندما أسرها الروم (وامعتصماه)، فأجابها من موضعه عندما بلغه ذلك (لبيكِ.. لبيكِ)، ونهض من ساعته وأمر بالنفير لحرب الروم، وجهز جيشًا لم يجهزه خليفة قبله، ووجَّه فرقة من هذا الجيش يقودها ثلاثة من أشجع قواده إلى (زِبَطْرة) لإعانة أهلها فوجدوا ملك الروم قد غادرها بجيوشه، فاستقروا بها قليلًا، وأرسلوا إلى الأطراف يطمئنون أهلها أن جيوش الإسلام قد وصلت إلى بلادهم، وأن الروم قد خرجوا منها، فعاد الناس إلى قراهم واستقروا بها، سأل المعتصم القادة: أي بلاد الروم أحصن وأمنع؟ فقيل له عمورية، لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية، ففتحها. (انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبري) .
- حاكم مصر الفاطمي -الشيعي- يستنجد بوالي الشام -السني- "نور الدين زنكي" بإرسال بعض خصلات من شعور نسائه، وكتب فيها: "استنقذ نسائي من أيدي الفرنج" فقام بنصرته رغم مخالفته له، وكان ذلك سببًا في عودة مصر الى المنهج السني بعد ذلك" (البداية والنهاية) .
خاتمة: أولياء النساء.. أنتم مسئولون:
- أنتم مسئولون في الدنيا عن حفظهن بتعاليم الإسلام: (الحجاب - منع الاختلاط المحرم - إقامة تعاليم الإسلام عمومًا): قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ) (الأحزاب:59) . وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ، وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ )، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهُ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ أَحَفَظَ أَمْ ضَيَّعَ؟! ) (رواه ابن حبان، وحسنه الألباني) .
- وأنتم مسئولون في الآخرة عن حفظهن وأنفسكم من العذاب: وقال -تعالى-: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (التحريم: 6) .
فاللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدى لأحسنها إلا أنت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ومما يذكر حول غيرة الزبير -رضي الله عنه- حديث أسماء -رضي الله عنها- في حملها النوى على رأسها ولقائها بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، قالت: "تزوجني الزبيرُ ومالَه في الأرضِ من مالٍ ولا مملوكٍ ولا شيٍء، غيرَ فرسِه. قالت: فكنتُ أعلفُ فرسَه، وأكفيهِ مؤنتَه، وأسُوسُه، وأدقُّ النوى لناضحِه، وأعلفُه، وأستقي الماءَ، وأخرزُ غربَه، وأعجنُ. ولم أكن أُحسنُ أخبزُ. وكان يخبزُ لي جاراتٌ من الأنصارِ. وكن نسوةَ صدقٍ. قالت: وكنتُ أنقلُ النوى، من أرضِ الزبيرِ التي أقطعَه رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: على رأسي، وهي على ثلثيْ فرسخٍ. قالت: فجئتُ يومًا والنوى على رأسي. فلقيتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ومعَهُ نفرٌ من أصحابِه. فدعاني ثم قال: ( إِخْ! إِخْ )، ليحملني خلفَه. قالت: فاستحييتُ وعرفتُ غيرَتَكَ. فقال: واللهِ! لحمْلُكِ النوى على رأسِكِ أشدُّ من ركوبِكِ معَه. قالت: حتى أرسل إليَّ أبو بكرٍ، بعد ذلك، بخادمٍ، فكفَتْني سياسةَ الفرسِ. فكأنما أعتقتْني" (رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ مسلم) .
