غزة رمز للعزة (20) إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية (2-3)
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمما تعرضت له دعوى دولة جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل: حالة المجاعة الشديدة التي يتعرض لها كل سكان قطاع غزة؛ نتيجة الحصار الصارم من قوات الاحتلال الإسرائيلي للقطاع، وتعمدها منع دخول الطعام والماء للقطاع، إلى جانب منع دخول الوقود والإمدادات والمساعدات الطبية، بما يعني تعرض سكان القطاع جميعًا، والذين يزيد عددهم عن المليونين لخطر الموت جوعًا بلا رحمة.
ورغم أن هناك فترات من تخفيف الحصار وسماح بإمدادات من الطعام والماء والوقود، لكن يظل هذا السماح لعدد من شاحنات المساعدة بدخول القطاع غير كافٍ لاحتياجات هذا العدد الكبير من السكان؛ فهو أقل بكثير من الاحتياجات الدنيا المطلوبة.
ومما يزيد من حجم الأزمة -بالإضافة إلى قلة أعداد شاحنات المساعدة التي يسمح على فترات بدخولها القطاع-:
- نقص الوقود الشديد؛ مما يؤثر وبشدة على عمليات نقل هذه المساعدات المحدودة داخل القطاع بعيدًا عن نقاط الدخول.
- القصف الشديد والأعمال العدائية، والقيود الإسرائيلية على حرية الحركة، وانقطاع الاتصالات وتدمير البنية التحتية من طرق وشوارع يجعل من المستحيل وصول تلك المساعدات على قلتها لكل أو معظم المحتاجين.
- إن مطالبة قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 22 ديسمبر 2023 بسماح أطراف النزاع بتيسير استخدام جميع الطرق المتاحة عبر قطاع غزة بأكمله بما فيها المعابر، ومطالبة منسق الأمم المتحدة بإنشاء آلية تابعة للأمم المتحدة وبشكل سريع لتسريع تقديم شحنات الإغاثة الإنسانية أمر غير فعال؛ لأنه لا يعالج بشكل صحيح العناصر الأربعة الضرورية التي حدَّدها الأمين العام للأمم المتحدة للسماح بتقديم مساعدة فعالة قادرة على مساعدة الفلسطينيين، وتتضمن:
- الحاجة إلى توفر الأمن: بعيدًا عن القصف الشديد والقتال النشط في مناطق حضرية مكتظة بالسكان بما يهدد حياة المدنيين وحياة عمال الإغاثة.
- الحاجة إلى وجود موظفين يمكنهم العيش والعمل بأمان: فلقد قتل نحو 136 من موظفي الأمم المتحدة في غزة خلال 75 يومًا، وهذا شيء لم يُرَ من قبل في تاريخ الأمم المتحدة.
- الحاجة إلى توفير اللوجستيات: فلقد تم تدمير العديد من مركبات وشاحنات الإغاثة أو تركها عند الإجلاء القسري من شمال غزة، ولم تسمح القوات الإسرائيلية بتشغيل أي شاحنات إضافية في غزة، مما يعيق أعمال الإغاثة وتوصيل الإمدادات؛ هذا إلى جانب خطورة توصيل الإمدادات بسبب النزاع النشط والذخائر غير المنفجرة، والطرق التي تضررت بشدة في كل مكان.
- الحاجة إلى استئناف الأنشطة التجارية في غزة: حيث تضع القوات الإسرائيلية القيود على النشاط التجاري في غزة، فلا يعمل إلا مخبز واحد، ولا يوجد في غزة الكثير لشرائه حتى مع تكثيف الدعم المادي للعائلات الضعيفة.
- لقد تسببت الضربات الإسرائيلية في تدمير المخابز ومنشآت المياه والطاحونة الوحيدة المتبقية التي كانت تعمل، وتم تدمير مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية وما فيها من المحاصيل والبساتين والصوبات الزراعية. إنه بحلول شهر نوفمبر 2023 صارت بنية الغذاء في غزة غير فعالة بالفعل، نظرًا لإغلاق الأسواق والمتاجر ونقص العناصر الغذائية الأساسية وارتفاع أسعار الأغذية القليلة المتوفرة، فالخبز نادر أو غير موجود، والمواشي التي لم تقتل تواجه أيضا المجاعة.
- إن قياس فعالية الإغاثة الإنسانية في غزة استنادًا إلى عدد الشاحنات التي يسمح الهلال الأحمر المصري أو الأمم المتحدة وشركاؤها بتفريغها عبر الحدود خطأ، فإن المشكلة الحقيقية في العوائق الهائلة أمام توزيع المساعدات الغذائية داخل غزة.
- إن عدم صدور قرار بوقف إطلاق النار يعد بمثابة ضوء أخضر لاستمرار الإبادة الجماعية في غزة.
- إن إسرائيل تدفع السكان الفلسطينيين في غزة إلى حافة المجاعة رغم تحذيرات الوكالات الدولية من أن خطر المجاعة في غزة خطر حقيقي، وأنه يزداد كل يوم، وأن أغلب الفلسطينيين في غزة يتضورون جوعًا، وأن مستويات الجوع ترتفع يوميًّا.
وقد وصف المفوض العام للأونروا الفلسطينيين في غزة بأنهم يائسون وجائعون ومرعوبون، وأنهم يوقفون شاحنات الإغاثة، ويأخذون الطعام ويأكلونه فورًا، بينما صرحت منظمة الصحة العالمية أن نسبة غير مسبوقة تبلغ 93% من سكان غزة يواجهون مستويات أزمة من الجوع مع عدم كفاية الغذاء، ووجود مستويات عالية من سوء التغذية حتى في المستشفيات.
وقد اضطرت أسر لبيع ممتلكاتها واتخاذ إجراءات أخرى لتحصل على وجبة بسيطة، وقد حذر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أن المجاعة لا يجب أن تكون وسيلة أو نتيجة للحرب.
- وقد اتهمت منظمة (هيومن رايتس ووتش) إسرائيل صراحة باستخدام الجوع كسلاح حرب ضد الشعب الفلسطيني في غزة.
- كما أن المياه منخفضة بشكل كبير مع قطع المياه عن غزة؛ خاصة أن محطة تحلية المياه صارت لا تعمل، ويؤثر نقص المياه بشكل خطير على النساء المرضعات اللاتي يحتجن إلى تناول الكثير من الماء، وقد توقفت الكثير من الأمهات الشابات عن الرضاعة الطبيعية بسبب ندرة الغذاء والماء، وأجبرن على استخدام مياه ملوثة لتحضير الحليب الصناعي إذا توفر، مما يعرض أطفالهن لخطر الأمراض، وذكر أنهم يموتون بالفعل من أسباب كان من الممكن تجنبها؛ هذا بينما يعاني الأطفال الأكبر سنًّا من أعراض سوء التغذية، فهناك أكثر من 7600 طفل في غزة يعانون من الهزال المهدد للحياة، إلى جانب خطر الإصابة بالأمراض المعدية نتيجة التوقف عن التطعيمات الأساسية التي يحتاجونها.
إن عشرات الألوف من الفلسطينيين في غزة يعيشون وينامون في الساحات والشوارع؛ إذ لا يوجد سكن لهم ولا أقرباء، ولا مكان لهم في المرافق الحكومية وساحات المستشفيات، وهم يعانون من النقص الحاد في الملابس الدافئة والفرش والأغطية؛ لذا فهم يحرقون الخشب والبلاستيك والنفايات للتدفئة والطهي، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض التنفسية.
الحرب الإسرائيلية على المنظومة الصحية:
كان الهجوم الإسرائيلي على المنظومة الصحية في قطاع غزة أكثر من أي شيء آخر، ومعلوم أن الرعاية الطبية ضرورية للحياة.
