فساد عقيدة اليهود في الملائكة (3) (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
( وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ) وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة، ثم عموم الرسل، ثم خُصصا بالذكر؛ لأن السياق في الانتصار لجبريل وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه ميكائيل في اللفظ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوهم وميكائيل وليهم، فأعلمهم أنه من عادى واحدًا منهما فقد عادى الآخر، وعادى الله أيضًا؛ لأنه أيضًا ينزل على الأنبياء بعض الأحيان، كما قرن برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ابتداء الأمر، ولكن جبريل أكثر، وهي وظيفته، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، هذا بالهدى وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل موكل بالصور للنفخ للبعث يوم القيامة، ولهذا جاء في الصحيح: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا قام من الليل يقول: "اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". وقد تقدم ما حكاه البخاري، ورواه ابن جرير عن عكرمة أنه قال: جبر، وميك، وإسراف: عبيد. وإيل: الله.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: إنما قوله: "جبريل" كقوله: "عبد الله" و"عبد الرحمن". وقيل جبر: عبد. وإيل: الله.
وقال محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن علي بن الحسين، قال: أتدرون ما اسم جبرائيل من أسمائكم؟ قلنا: لا. قال: اسمه عبد الله، قال: فتدرون ما اسم ميكائيل من أسمائكم؟ قلنا: لا. قال: اسمه عبيد الله. وكل اسم مرجعه إلى "يل" فهو إلى الله.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعكرمة والضحاك ويحيى بن يعمر نحو ذلك. ثم قال: حدثني أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثني عبد العزيز بن عمير قال: اسم جبريل في الملائكة خادم الله. قال: فحدثت به أبا سليمان الداراني، فانتفض وقال: لهذا الحديث أحب إليّ من كل شيء في دفتر كان بين يديه.
وفي جبريل وميكائيل لغات وقراءات تُذكر في كتب اللغة والقراءات، ولم نطوِّل كتابنا هذا بسرد ذلك إلا أن يدور فهم المعنى عليه، أو يرجع الحكم في ذلك إليه، وبالله الثقة، وهو المستعان.
وقوله تعالى: ( فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ) فيه إيقاع المظهر مكان المضمر حيث لم يقل: فإنه عدو للكافرين. قال: ( فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ) كما قال الشاعر:
لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شَيءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا
وقال آخر:
لَيتَ الغُرابَ غَداةَ يَنعَبُ بِالنَوى كـانَ الـغـُرابُ مُـقَــطَّـعَ الأَوداجِ
وإنما أظهر الاسم ها هنا لتقرير هذا المعنى وإظهاره، وإعلامهم أن من عادى أولياء الله فقد عادى الله، ومن عادى الله فإن الله عدو له، ومن كان الله عدوه فقد خسر الدنيا والآخرة.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
