شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مكارم الأخلاق (5) التراحم (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- رحمة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمساكين والفقراء: عن جرير بن عبد الله قال: كُنَّا عِنْدَ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في صَدْرِ النَّهَارِ، قالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ العَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِن مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِن مُضَرَ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِما رَأَى بهِمْ مِنَ الفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فأمَرَ بلَالًا فأذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقالَ: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) (النساء:1) ، وَالآيَةَ الَّتي في الحَشْرِ: ( اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ ) (الحشر:18) ، تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِن دِينَارِهِ، مِن دِرْهَمِهِ، مِن ثَوْبِهِ، مِن صَاعِ بُرِّهِ، مِن صَاعِ تَمْرِهِ، حتَّى قالَ، ولو بشِقِّ تَمْرَةٍ قالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ بصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قدْ عَجَزَتْ، قالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِن طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَتَهَلَّلُ، كَأنَّهُ مُذْهَبَةٌ. (رواه مسلم) .

- رحمة الفاروق عمر -رضي الله عنه- براهب نصراني: (مرَّ عمر -رضي الله عنه- براهب، فوقف ونودي بالراهب فقيل له: هذا أمير المؤمنين، فاطَّلَع فإذا إنسان به من الضر والاجتهاد وترْكِ الدنيا، فلمَّا رآه عمر بكى، فقيل له: إنَّه نصراني، فقال عمر: قد علمت، ولكني رحمته، وذكرت قول الله -عزَّ وجلَّ-: ( هل أتاك حديث الغاشية . وجوه يومئذ خاشعة . عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ . تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ) (الغاشية: 1-4) ، فرحمتُ نصبَه واجتهاده، وهو في النَّار) (رواه عبد الرزاق) .

- رحمة السلف -رحمهم الله- بالحيوان: كتب عمر بن عبد العزيز إلى حيَّان -عامله- بمصر: "إنَّه بلغني أنَّ بمصر إبلًا نقالات، يحمل على البعير منها ألف رطل، فإذا أتاك كتابي هذا، فلا أعرفنَّ أنَّه يحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل"، وكتب إلى صاحب السكك: "أن لا يحملوا أحدًا بلجام ثقيل من هذه الرستنية، ولا ينخس بمقرعة في أسفلها حديدة" (رواه الإمام مالك) . وعن معاوية بن قرة قال: "كان لأبي الدرداء جمل يقال له: دمون، فلما حضرته الوفاة قال: يا دمون! لا تخاصمني غدًا عند ربي، فإني لم أكن أحمل عليك إلا ما تطيق".

(4) التحذير من القسوة والغلظة:

- صور من القسوة والغلظة: (عدم الاكتراث بما يصيب الآخرين من أذى ومصائب - جمود العين عن البكاء - عدم الاتعاظ بالموت والضحك عند القبور أو الكلام في أمور الدنيا عند الدفن - عدم التأثر بالقرآن أو سيرة النبي وربما يتأثرون بالأفلام والأغاني - صور مباشرة العنف التي لا تحصى - مشاجرات، تعذيب الناس - ...).

- القسوة والغلظة من أسباب نفرة الناس عن صاحبها: قال -تعالى-: ( وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (آل عمران: 159 ) .

- القسوة والغلظة عقوبة على الغفلة وترك أوامر الله: قال -تعالى-: ( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ) (المائدة: 13) .

- القسوة والغلظة من أسباب العذاب والإبعاد عن رحمة الله -سبحانه-: قال -تعالى-: ( فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) (الزمر:22) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ لَا يَرحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللهُ ) (متفق عليه) . وقال: ( لَا ‌تُنْزَعُ ‌الرَّحْمَةُ ‌إِلَّا ‌مِنْ ‌شَقِيٍّ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلاَ سَقَتْهَا، إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلاَ هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ ) (متفق عليه) .

(5) أمور تعين على زيادة الرحمة في القلوب:

1- طلب العلم الشرعي؛ لأنه يزيد الخشية، والرحمة من ثمرات الخشية: قال -تعالى-: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) (فاطر: 28) .

2- اجتناب مواطن القسوة والغفلة والعنف (أماكن - أشخاص - وظيفة): قال -تعالى-: ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ) (الكهف: 28) . وقال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ ‌الْقَسْوَةَ ‌وَغِلَظَ ‌الْقُلُوبِ ‌فِي ‌الْفَدَّادِينَ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ: رَبِيعَةَ وَمُضَرَ ) (متفق عليه) . قال الخطابي: "إنَّما ذمهم لاشتغالهم بمعالجة ما هم فيه عن أمر دينهم، وذلك يفضي إلى قسوة القلب" . الفدادون: أصحاب الإبل في البوادي.

3- حضور مجالس الذكر، وارتياد المساجد: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ) (رواه مسلم) .

4- اغتنام مواسم وأوقات زيادة الرحمة: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٌ فَتَعَرَّضُوا لَهُ، لَعَلَّهُ أَنْ يُصِيبَكُمْ نَفْحَةٌ مِنْهَا، فَلَا تَشْقَوْنَ بَعْدَهَا أَبَدًا ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية