شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مكارم الأخلاق (6) الاحتساب (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- مصعب بن عمير يترك الجاه والثراء والأهل احتسابًا لما عند الله: قال سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-: "كان مصعب بن عمير أنعم غلام بمكة، وأجوده حلة مع أبويه، ثُمَّ لقد رأيته جهد في الإسلام جهداً شديداً، حتّى لقد رأيت جلده يسقط كما يسقط جلد الحية". وقال عنه البراء بن عازب: "أول المهاجرين مصعب بن عمير".

وقال خبَّاب بن الأرت: "هاجرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سبيل الله، نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى، ولم يأكل من أجره في دنياه شيئا، منهم: مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه تعرّت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه برزت رأسه، فقال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من نبات الإذخر، ووقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- عند مصعب بن عمير وقال: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ثم ألقى نظرة على بردته التي كفن بها وقال: لقد رأيتك بمكة، وما بها أرق حلة، ولا أحسن لمّة منك. ثم أنت شعث الرأس في بردة" (سيرة ابن هشام) .

- عبد الله المزني -ذو البجادين- يترك الأهل والمال احتسابًا لما عند الله: كان ينازع إلى الإسلام، فيمنعه قومه من ذلك، ويضيقون عليه، حتى تركوه في بجاد ليس عليه غيره، والبجاد: الكساء الغليظ الجافي، فهرب منهم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما كان قريبًا منه، شق بجاده باثنين، فاتزر بواحد، واشتمل بالآخر، ثم أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقيل له: ذو البجادين لذلك. وقال ابن هشام بسنده في السيرة عن وفاته: "إن عبد الله بن مسعود كان يحدث، قال: قمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك، قال: فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، قال: فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه إليه، وهو يقول: أدنيا إلي أخاكما، فدلياه إليه، فلما هيأه لشقه قال: اللهم إني أمسيت راضيا عنه، فارض عنه. قال: وعبد الله بن مسعود يقول: يا ليتني كنت صاحب الحفرة!".

خاتمة:

- الاحتساب سلوى قلوب المؤمنين في هذه الدنيا، فلولا الاحتساب ما صبر المؤمنون على البلاء والآلام في هذه الحياة الدنيا: قال -تعالى- عنهم: ( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا . إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا . فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا . وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا . مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا ) (الإنسان: 9-13 ) ، وقال: ( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (البقرة: 156، 157 ) .

فاللهم ارزقنا نعمة الاحتساب في كلِّ أعمالنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) احتسابًا: ناويًا العمل لله وانتظارًا لثوابه من الله، ولتحتسب: ناويًا صبرك لله منتظرًا منه الأجر، فالنية هي التي عليها مدار الأعمال، وهي الفاصلة بينها.

(2) تنبيه: لا يشترط أن يكون العمل الخالي من الاحتساب رياء. (مثاله: أخذ الطبيب الأجرة الدنيوية من المريض الفقير).

الصفحة السابقة