شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مكارم الأخلاق (7) الاستقامة (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- أحمد بن حنبل على الاستقامة ولو تحت سياط التعذيب: ذكر أصحاب التاريخ والسير في محنة خلق القرآن: "أن الخليفة المعتصم أمر بحبس الإمام أحمد في سجن ضيق مظلم والقيود في يديه، وفي السجن أجريت له عديد من المناظرات مع أئمة المعتزلة في محاولة لإثنائه عن رأيه، لكنهم فشلوا في ذلك، ثم أجريت معه مناظرة علنية في شهر رمضان وبحضور الخليفة المعتصم وكبار رجال الدولة الذين حاولوا استمالته عن رأيه، لكنهم فشلوا في ذلك، مما دفع بأحد مناظريه وهو المعتزلي المبتدع -أحمد بن داؤد- لأن يفتي المعتصم بأن ابن حنبل ضال وكافر ومبتدع ويجب قتله، وبعد استمرار المناظرة لثلاثة أيام متوالية والفشل المتوالي بإقناع الإمام أحمد بالعدول عن رأيه، أحضرت السياط وشد الإمام على العقابين -وهما خشبتان يشد الرجل بينهما للجلد-، وجلد الإمام أحمد جلدًا شديدًا وعُذِّب وأهين، وهو ثابت على رأيه لا يغيره قيد أنملة، وقام إليه الخليفة المعتصم طالبًا منه تغيير رأيه ويقول له: يا أحمد علام تقتل نفسك؟ إني والله عليك لشفيق، وأغمى على الإمام من شدة التعذيب والضرب بالسياط، حتى أطلق المعتصم سراحه خوفًا من موته تحت التعذيب، وخرج الإمام لبيته لتلقى العلاج، ومات الخليفة المعتصم وولى مكانه "الواثق"، وكان من أشد الناس في القول بخلق القرآن، لدرجة أنه أمر بالتفريق بين الرجل الذي لا يقول بخلق القرآن وبين زوجته، وأرسل الواثق لابن حنبل يأمره بالخروج من بغداد، وقال: "لا يجتمعن إليك أحد ولا تساكني بأرض ولا مدينة أنا فيها"، فأختبأ ابن حنبل في بيت أحد تلاميذه، ثم انتقل لمكان آخر وظل هكذا عدة أشهر لا يخرج لصلاة في المسجد ولا يلقى دروسه حتى مات الخليفة الواثق عام (231هـ)، وجاء بعده الخليفة "المتوكل" الذي أبطل الله به هذه المحنة، ورفع الاختبار فيها، كل ذلك والإمام أحمد ثابت مستقيم لا يحيد عن الجادة والمنهج الصحيح".

- مؤذن معاصر على الاستقامة حتى الأنفاس الأخيرة برغم العجز عن التأذين: قال الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري في مقاله "تباريح" بالمجلة العربية: "وكان خال أبي وابن عم جدي عمر بن محمد العقيل -رحمه الله- مؤذنًا بمسجدنا خمسة وثلاثين عامًا، أدركتُ منها ربع قرن، لم يتخلف عن فرضٍ واحد لحَرٍّ أو قر، ومات في الرياض وعمره تسعون عامًا، وكان مُقْعدًا، فلما حضرته الوفاة بعد صحوة الموت وجده ابنه محمد واقفًا بعد أن كان مقعدًا يصدح بجمل الأذان: الله أكبر، الله أكبر" ثم مات!" (نقلًا عن سكب العبرات، د. سيد عفاني) .

- ولذلك كانت الاستقامة أعظم ما يرزق العبد في هذه الحياة الدنيا: قال ابن تيمية -رحمه الله-: "أعظم الكرامة لُزوم الاستقامة" .

من ثمرات الاستقامة:

لقد جعل الله -عز وجل- لمن آمنوا بدينه حقًّا، واستقاموا عليه صدقًا فضائل عظيمة ومنازل رفيعة، جاء ذكر بعضها في قوله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) (فصلت: 30) ، وذلك عند خروج الإنسان من الدنيا مقبلًا على الآخرة.

1- تتنزل عليهم الملائكة بالبشرى من عند الله -سبحانه- بالسرور والحبور في المواطن العصيبة: قال وكيع: "البشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث" (فتح القدير للشوكاني) .

2- الطمأنينة والسكينة (أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا): قال العلماء: "لا تخافوا مما تقدمون عليه من أمور الآخرة، ولا تحزنوا على ما فاتكم من أمور الدنيا من أهل وولد ومال"، وقال عطاء: "لا تخافوا ردَّ ثوابكم فإنه مقبول، ولا تحزنوا على ذنوبكم فإني أغفرها لكم".

3- البشرى بالجنة (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ): ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) (الزمر:74) .

4- الولاية في الدارين (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ): قال الشوكاني -رحمه الله-: "أي: نحن المتولون لحفظكم ومعونتكم في أمور الدنيا وأمور الآخرة، ومن كان الله وليه فاز بكل مطلب ونجا من كل مخافة. وقيل: إن هذا من قول الملائكة. قال مجاهد: إذا كان يوم القيامة قالوا: لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة" (تفسير فتح القدير) .

5- مغفرة الذنوب قبل القدوم ( نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) (فصلت: 32) : قال ابن كثير -رحمه الله- في التفسير: "( مِنْ غَفُورٍ ) لذنوبكم، ( رَحِيمٍ ) بكم، حيث غفر وستر ورحم ولطف" .

عوامل تحصيل الاستقامة:

1- فعل الواجبات ومجاهدة النفس عليها، مع الاستزادة والإكثار من النوافل: ففي الحديث القدسي: ( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ ‌أَحَبَّ ‌إِلَيَّ ‌مِمَّا ‌افْتَرَضْتُ ‌عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ) (رواه البخاري) .

2- الإخلاص في العلم والعمل: قال -تعالى-: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ) (الروم:30) .

3- الدعاء بالاستقامة والثبات عليها: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يسأل ربَّه الثبات على الدين"، وقد أمرنا بقراءة الفاتحة في كل ركعة وفيها: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) (الفاتحة: 6، 7) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية