بطلان القول بفناء النار (2)
طلعت مرزوق • المنهج السلفي
أما القول بأن فناء النار أُثِرَ عن بعض السلف كعمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، فهذه الآثار إما لا تصح نسبتها إليهم، أو أنها محمولة على وجهٍ أخر غير القول بفناء النار. (حاشية شرح العقيدة الطحاوية لابن أبى العز بتحقيق الأرناؤوط) .
وأما شبهة انتفاء العدل بخلود أهل النار، فقال الشيخ العلامة الشنقيطي في مجالسه في التفسير: "جواب هذه الشبهة الباردة الملحدة أن الخبث والكفر الذي انطوت عليه قلوبهم، وتمرَّدُوا بِسَبَبِه على الله منطوية عليه قلوبهم أبدًا، لا يزول منها أبدًا، فكان العذاب أَبَدِيًّا سرمديًّا؛ لأن سبب ارتكابه كان في القلب أبدي سرمدي، والآيات الدالة على هذا كثيرة؛ كَقَوْلِهِ -تَعَالى- عنهم أنهم لما عاينوا النار ورأوا عذاب الله، وعظمة النار، وهول ذلك الموقف، وتمنَّوا الرجوع إلى دار الدنيا مرة أخرى ليطيعوا الرسل، ويعودوا إلى رضا الله، وتمنوا ذلك فقالوا: ( يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (الأنعام: 27) ، بيَّن الله أن ذلك الخبث الذي كان في قلوبهم في دار الدنيا لم يَزُل أبدًا حتى بعد الموت، ومعاينة النار، ومعاينة العذاب، قال وهو أصدق من يقول: ( وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) (الأنعام: 28) ، فهو يبيِّن أنهم كلما ردوا إلى الدنيا رجعوا إلى الكفر، وأن أصل ذلك الكفر كامن في قلوبهم لا يزول.
ومما يوضحه قوله في الأنفال: ( وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لاَّسْمَعَهُمْ ) ( خيرًا ) نكرة في سياق الشرط، فهي تعم. معناه: أنّ الله لا يعلم في قلوبهم خيرًا أبدًا في وقتٍ من الأوقات كائنًا ما كان، ولا زمن من الأزمان. ثم قال على الفرض: ( وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ) (الأنفال: 23) ، فتبيَّن أن ذلك الشر الذي عصوا به الرسل، وتمردوا به على الله دائم لا يزول، فكان جزاؤه دائمًا لا يزول، فتطابق الجزاء والعمل؛ ولذا قال -تعالى-: ( جَزَآءً وِفَاقًا ) (النبأ: 26) أي: جزاءً موافقًا لأعمالهم، وهذا معنى قوله: ( أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (الأعراف: 36) .
فالله -تعالى- هو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وأفعاله -سبحانه- كلها عدل وحكمة، ومن ذلك حكمه بخلود الكفار في النار، فالنية والقصد والعزيمة لها أثر في حصول عذاب الآخرة، نحو قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: ( إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ ) (متفق عليه) .
قال النووي -رحمه الله-: "فيه دلالة للمذهب الصحيح الذي عليه الجمهور أن مَن نوى المعصية وأصر على النية يكون آثمًا، وإن لم يفعلها ولا تكلم" (شرح النووي على مسلم) .
وبهذا أجاب كثيرٌ من أهل العلم عن علة خلود الكفار في النار؛ رغم أن مدة بقائهم ومعصيتهم في الدنيا كانت محدودة؛ قال أبو بكر الحصني في دفع شبه مَن شبه وتمرد: "لأن العذاب يدوم بدوام سببه بلا شك ولا ريب، وهو قصد الكفر وبقاء العزم عليه، ولا شك أنهم لو عاشوا أبد الآباد لاستمروا على كفرهم، وكذلك المؤمن يستحق الخلود".
وقد ذكر ابن القيم هذه العلة في معرض بيان حجة من قال بعدم فناء النار فيما نقله في حادي الأرواح: "سبب التعذيب لا يزول إلا إذا كان السبب عارضًا كمعاصي الموحدين؛ أما إذا كان لازمًا كالكفر والشرك فإن أثره لا يزول كما لا يزول السبب، وقد أشار -سبحانه- إلى هذا المعنى بعينه في مواضع من كتابه؛ منها: قوله -تعالى-: ( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ )؛ فهذا إخبار بأن نفوسهم وطبائعهم لا تقتضي غير الكفر والشرك، وأنها غير قابلة للإيمان أصلًا.
ومنها قوله -تعالى-: ( وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا )؛ فأخبر -سبحانه- أن ضلالهم وعماهم عن الهدى دائم لا يزول حتى مع معاينة الحقائق التي أخبرت بها الرسل، وإذا كان العمى والضلال لا يفارقهم، فإن موجبه وأثره ومقتضاه لا يفارقهم.
ومنها قوله -تعالى-: ( وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) (الأنفال:23) ، وهذا يدل على أنه ليس فيهم خير يقتضي الرحمة، ولو كان فيهم خير لما ضيع عليهم أثره، ويدل على أنهم لا خير فيهم هناك أيضًا قوله: "أخرجوا من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من خير"؛ فلو كان عند هؤلاء أدنى أدنى مثقال ذرة من خير لخرجوا منها مع الخارجين.
ثم قال: لعمر الله إن هذا لمن أقوى ما يتمسك به في المسألة، وأن الأمر لكما قلتم، وأن العذاب يدوم بدوام موجبه وسببه، ولا ريب أنهم في الآخرة في عمى وضلال كما كانوا في الدنيا، وبواطنهم خبيثة كما كانت في الدنيا والعذاب مستمر عليهم دائم ما داموا كذلك. (انتهى) .
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
