الألباني على طريق ابن حجر (2) الألباني وزيادة: (وذَكرَكُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِندَهُ)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
قال الألباني -رحمه الله - في "آداب الزفاف": "وساق حديث سعد بن عبادة -رضي الله عنه- وفيه: (ثم أدخله البيت، فقرَّب له زبيبًا، فأكل نبي الله، فلما فرغ قال: أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون)"، وقال في تحقيقه: (رواه أحمد (3/ 138)، وأبو علي الصفار في حديثه (1/ 11)، والطحاوي في المشكل (1/ 498، 499)، والزيادات له، والبيهقي (7/ 287)، وابن عساكر (7/ 59، 60)، وإسنادهم صحيح، ولأبي داود منه (2/ 150)، وكذا ابن السني (رقم 476) الدعاء فقط، وصححه العراقي في التخريج (2/ 12)، وابن الملقن في الخلاصة، ومن قبلهما عبد الحق في "أحكامه" (2/ 194)، وعندهما جملة: "أفطر..." في أول الحديث، وكذا رواه ابن ماجه (1/ 531)، والطبراني (2/ 204/ 69)، والخطيب في الموضح (2/ 72) من حديث مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير قال: "أفطر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند سعد بن معاذ"، فقال: فذكره، لكن مصعب هذا ضعيف كما قال البوصيري في (الزوائد)".
ثم قال: "(تنبيه): عزا الذهبي في "العلو" (ص 63 - طبع الأنصار) هذا الحديث لـ"الصحيحين" بزيادة في آخره: "وذكركم الله فيمن عنده"، وكل ذلك وهم؛ فليس هو في الصحيحين، ولا فيه هذه الزيادة في شيء من طرقه التي وقفتُ عليها". انتهى.
ومن هذا ترى دقة الألباني -رحمه الله- في تخريجاته واستيعابه إلى حدٍّ كبير لطرق الحديث (وكان هذا قبل عصر الكمبيوتر، وهذا مما زاد إصقال ذهنه -رحمه الله-).
إذًا، فليست تلك الزيادة: "وذكركم الله فيمن عنده" صحيحة في بعض طرق الحديث، فحرمنا الألباني منها بتشدده!
ولا رويت بإسناد قابل للتحسين!
ولا رويت بإسناد أصلًا!
وإنما هي "لا أصل لها"، فهي كلام وُجِد في كتب الفقه أو الأذكار منسوبًا للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم نجدها مسندة في أي مرجع البتة، وهو مما لا تنطبق عليه شروط العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال عند القائلين بها.
حتى لو كان لها أصل -ولا يصح-؛ فلا يتوهمن أحدٌ أن زيادة الدعاء بشيء من الخير قد زاد ثوابًا وفضلاً عن المشروع؛ لأن من يقول هذا قد أغفل ثواب العبودية والالتزام التام بها.
وقد عَلَّم النبي -صلى الله عليه وسلم- البراء بن عازب -رضي الله عنه- دعاء النوم، وهو: ( إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، وَاجْعَلْهُنَّ مِنْ آخِرِ كَلَامِكَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ مُتَّ وَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ ) قَالَ: فَرَدَّدْتُهُنَّ لِأَسْتَذْكِرَهُنَّ، فَقُلْتُ: آمَنْتُ بِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، قَالَ: ( لَا، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ) (متفق عليه) .
فالبراء -رضي الله عنه- لما كرَّر الدعاء قال: "آمَنْتُ بِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ"؛ فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ).
وذكر ابن حجر -رحمه الله- في الفتح احتمالاتٍ لسبب حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على التصويب، ثم ختمها بقوله: "أولى ما قيل في الحكمة في ردِّه -صلى الله عليه وسلم- على مَن قال "الرسول" بدل "النبي": أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردتْ به، وهذا اختيار المازري؛ قال: فيُقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلَّق الجزاء بتلك الحروف، ولعلّه أوحي إليه بهذه الكلمات فيتعين أداؤها بحروفها".
فتلك الزيادة لو واظب عليها صاحبها تدخل في البدع، وإن فعلها عرضًا يصيب من ورائها خيرًا، ولكن يفقد أمامها ما هو أعظم منه بكثير.
فرحم الله الألباني؛ كم بيَّن من سُنَّة ورد من بدعة، ومهَّد للناس طريق اتباع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
