ابن عثيمين ألجم حدادية أهل السنة.. ونحن ننتظر المعاملة بالمِثْل
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ثم كانت الآونة الأخيرة، وحصل فيها انتفاضة أشعرية؛ لا ترى خصمًا أمامها إلا السلفية، مع أن الخصوم المشتركين كُثْرٌ، ومعارك الشريعة مع خصومها قائمة رحاها، وصاروا يستهدفون رمزًا بعد آخر؛ ابن تيمية تارة رغم أن العلامة الأزهري الكبير "محمد أبو زهرة" لما أراد أن يخص بعض الأئمة بالكتابة عنهم بعد الأئمة الأربعة، كان "ابن تيمية، والأشعري، وابن حزم" هم مَن اختارهم لهذا.
ثم كانت السخرية من الألباني رغم أن عَلَمًا أزهريًّا كبيرًا؛ كالشيخ معبد عبد الكريم قال: "ما تعلمنا علم التخريج في الأزهر إلا من كتب الألباني".
ثم كان ابن عثيمين؛ بدعوى أنه يكفر الأشاعرة!
وذكرني هذا ببدعة ظهرت بين أناسٍ كانوا في الأصل سلفيين، ثم تركوا تعلم العلم على الضابطين للمنهج السلفي فغلوا في مفهوم البدعة والتعامل مع مَن يتلبس بها؛ حتى دعوا إلى إحراق "فتح الباري"، و"شرح صحيح مسلم"، - وقد عرف هؤلاء الغلاة في حد البدعة وعدم عذر المتأولين في البدع -وإن كانوا من كبار العلماء- بالحدادية، وهم منشقون عن فصيل آخر أكثر شهرة وهم "المداخلة". وسوف نتناول فكر المداخلة في مقالة قادمة بإذن الله -.
وكان من أول مَن تصدى لهم الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-، فقال الشيخ ابن عثيمين في لقاءات الباب المفتوح: "هناك أناس ينتسبون لطائفة معينة شعارها البدعة، كالمعتزلة -مثلًا-، ومنهم: الزمخشري، فالزمخشري معتزلي، ويصف المثبتين للصفات بأنهم: حشوية مجسمة ويضللهم، فهو معتزلي، ولهذا يجب على مَن طالع كتابه "الكشاف" في تفسير القرآن أن يحترز من كلامه في باب الصفات، لكنه من حيث البلاغة، والدلالات البلاغية اللغوية جيد، ينتفع بكتابه كثيرًا؛ إلا أنه خطر على الإنسان الذي لا يعرف في باب الأسماء والصفات شيئًا، لكن هناك علماء مشهود لهم بالخير، لا ينتسبون إلى طائفة معينة من أهل البدع، لكن في كلامهم شيء من كلام أهل البدع؛ مثل: ابن حجر العسقلاني، والنووي -رحمهما الله-، فإن بعض السفهاء من الناس قدحوا فيهما قدحًا تامًّا مطلقًا من كلِّ وجه!
حتى قيل لي: إن بعض الناس يقول: يجب أن يحرق "فتح الباري"؛ لأن ابن حجر أشعري، وهذا غير صحيح، فهذان الرجلان بالذات ما أعلم اليوم أن أحدًا قَدَّم للإسلام في باب أحاديث الرسول مثلما قدَّماه، ويدلك على أن الله -سبحانه وتعالى- بحوله وقوته -ولا أتألَّى على الله- قد قبلها: ما كان لمؤلفاتهما من القبول لدى الناس؛ لدى طلبة العلم، بل حتى عند العامة، فالآن كتاب "رياض الصالحين" يقرأ في كل مجلس، ويقرأ في كل مسجد، وينتفع الناس به انتفاعًا عظيمًا، وأتمنى أن يجعل الله لي كتابًا مثل هذا الكتاب، كلٌّ ينتفع به في بيته، وفي مسجده؛ فكيف يقال عن هذين: إنهما مبتدعان ضالان، لا يجوز الترحم عليهما، ولا يجوز القراءة في كتبهما، ويجب إحراق "فتح الباري"، و"شرح صحيح مسلم"؟! سبحان الله! فإني أقول لهؤلاء بلسان الحال، وبلسان المقال:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم أو ســدوا الـمـكـان الـذي ســـدوا
مَن كان يستطيع أن يقدِّم للإسلام والمسلمين مثلما قدَّم هذان الرجلان -إلا أن يشاء الله-؟!
فأنا أقول: غفر الله للنووي، ولابن حجر العسقلاني، ولمن كان على شاكلتهما ممَّن نفع الله بهم الإسلام والمسلمين، وأمِّنوا على ذلك" (انتهى من لقاء الباب المفتوح) .
وأخيرًا أقول:
هذا ابن عثيمين -رحمه الله- قد فَعَل ما عليه، وألجم "الحدادية" الذين انطلقوا من تصورات ظنوها صحيحة صائبة، وليست كذلك.
وها نحن نرى أن لكلِّ فرقة حداديها.
ولنا أن نتساءل: هل يمكن أن يخرج من كلِّ فرقة عقلاء يتصدون لحداديها؟!
